فتح فرونسوا هولاند، دولاب ذكرياته ليتقاسم مع قراء كتابه « دروس السلطة » تفاصيل ودوافع واحدة من أهم قراراته العسكرية التي ظلت حبيسة قصر الإليزيه، تلك المتعلقة بالعملية العسكرية الفرنسية التي انطلقت في 11 يناير من سنة 2013 بمالي، لوقف زحف قوات المسلحين الإسلاميين بالشمال في اتجاه جنوب البلاد وتحديدا العاصمة باماكو، حيث يتواجد أغلب الرعايا الفرنسيين، في عملية سميت آنذاك بـ »القط المتوحش ».
هدوء غرفة معيشة هولاند الخضراء، المطلة على حديقة الإليزيه، يوم 11 يناير 2013، كان ينافي بشكل تام حالة التوتر والارتباك التي تملكت الرئيس الفرنسي وهو يستعد لإعطاء الضوء الأخضر لهجومين مسلحين في الآن ذاته، في شمال مالي « حيث يسير حشد من الجهاديين المسلحين بالرشاشات وقذائف ‘الهاون’ على الطريق الرئيسي الذي يربط بين الشمال والجنوب، والقوات المالية فرض عليها حمل ثقيل. فبعد احتلال تومبكتو وغاو ومدن صحراوية أخرى، المسلحون الإسلاميون شنوا هجوما عنيفا ويمكنهم الوصول إلى باماكو في غضون ساعات قليلة، وطرد الجيش النظامي وجعل المدينة عاصمة للإرهاب تهدد كل غرب أفريقيا، تدخل فرنسا هو الوحيد الذي كان يستطيع ردعهم، لكن العملية معقدة ».
وبعد استشارات مطولة مع القادة العسكريين، تبين لهولاند أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية، خاصة أن احتمال تعرض العساكر الفرنسيين للاستهداف كانت قوية خلال الساعات الأولى، ما اضطره للتفكير في خوض تحد غير محسوب العواقب يشمل إنزال الجيش الفرنسي، وتنفيذ هجمات أرضية ضد الإسلاميين المسلحين ، بهدف « إرسال هؤلاء الجهاديين مرة أخرى إلى المناطق الصحراوية في الشمال، ثم تعقبهم لتحقيق السلام المدني لهذا البلد الشجاع والذي كانت فرنسا ضامنا له »، يقول هولاند الذي لم يمنعه تفاؤله بالتفكير في تبعات قراره ما إن حدث العكس ولم تنجح العملية، ما سيؤدي لشل القوات الفرنسية، وارتباك الرأي العام. « القادة العسكريون لا يخفون شيئا، يعرضون أمام الصعوبات وقياس الفرص مهما كانت ضئيلة، وأنا أشعر من نبرة صوتهم أنهم يخشون فقدان أرواح في العملية، فعلى عكس الفكرة المتداولة عن قسوة القادة العسكريين وسعيهم إلى الحرب، إلا أن الحقيقية غير هذا، فما يهمهم بالأكثر هو حياة جنودهم، والسعي لحماية السكان المدنيين.. هم واثقون من ذلك ولكن في هذا النوع من المواجهة يمكن أن تحدث أمور غير متوقعة، وتحبط أفضل الخطط ».
اتصالات رعب وطمأنة
عبر هولاند عن إعجابه الكبير بالرئيس المالي، ديونكوندا تراوري، الذي يعتبره « الرجل الشجاع والسلطة الشرعية الوحيدة في مالي البلد الصديق »، يقول هولاند مشيرا إلى أنه تلقى مكالمة مروعة منه في تلك الفترة، « كانت نبرة صوته متوترة، حذرني من أننا نوشك على فقدان باماكو، وتدخل فرنسا ضروري لتمنع زحف الجماعة وزعزعة استقرار كل غرب إفريقيا.. الجماعة تتحرك بسرعة ونواياها واضحة.. تحدثت مع باقي القادة الأفارقة وجميعهم أكدوا على ضرورة تدخل الجمهورية ».
وفي ظل هذا الجو المشحون والمضطرب، عدد هولاند مكاسب تدخل الجيش الفرنسي إلى جانب الخسائر التي قد يتكبدها قبل أن يخرج بهذا القرار الكبير، « ألا يفعل المرء شيئا في هذا الظرف، هو تضحية بإقليم استراتيجي، والتخلي عن حليف وفي لنا، والسماح بانتشار هذا الطاعون الجهادي في كل مكان، ولكن في نفس الوقت إشراك فرنسا في صراع بعيد له علاقة بانهيار الدولة في ليبيا، ولمدة طويلة ووضع مصير عشرات من أسر الجيش العسكري الفرنسي على المحك، وبث رعب الفقدان أو الإصابة في قلوب ذويهم أمر مخيف.. بضع دقائق فقط هي التي أملك لاتخاذ القرار، إن تجاوزتها سيكون قد فات الأوان، وسيتمكن الإرهابيون من بلوغ باماكو ولن نكون قادرين آنذاك على صدهم أو ردعهم، وسيفرض علينا تخصيص موارد كبيرة للصمود.. قررت أن ألتزم وأنزل قواتنا، خاصة وأنا أتذكر صوت الرئيس المالي، وهو يضمن لي تعاون جيشه ويؤكد تعاون بلدان غرب إفريقيا.. فبدون دعمهم لم يكن من الممكن أن نحقق شيئا ».