نهاية قرن الديمقراطية

13/07/2018 - 14:22
نهاية قرن الديمقراطية

في ماي الماضي، نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية دراسة مهمة بعنوان: «نهاية قرن الديمقراطية.. صعود الأوتوقراطية» من إنجاز الباحثين: روبرتو ستيفان فوا وياسشا مونك، خلصت إلى القول إن «القرن الطويل الذي هيمنت فيه معايير وقيم الديمقراطية الليبرالية الغربية قد انتهى إلى الأبد»، في إشارة قوية إلى أن الديمقراطية الليبرالية تمر بأزمة تاريخية، قد لا تخرج منها أبدا.

وقد قدم الباحثان حججا قوية على طرحهما، منها أن الانتصار التاريخي لليبرالية على التوجهات العنصرية والشمولية في القرن العشرين، مثل النازية والفاشية والاتحاد السوفياتي، قد أدى إلى انتشار القيم الليبرالية وسط الشعوب، اعتقادا من الغرب الليبرالي بأن قوة الديمقراطية الليبرالية تكمن في قيمها، لكن صعود السلطويات خلال النصف الثاني من القرن الـ20 في الصين وجنوب شرق آسيا وروسيا، كشف شيئا جديدا وهو أن نجاح الديمقراطية الليبرالية لم يكن ممكنا دون قوة اقتصادية كذلك. وتشير المقالة إلى عدد من الدول التي اختارت الديمقراطية الليبرالية وفشلت، إما لأنها فقيرة، أو لم تنجح في تحقيق نمو ورفاهية اقتصادية.

ربط النجاح الديمقراطي بالقوة الاقتصادية مثير للانتباه، فقد سجلت الدراسة أن فشل الديمقراطية الليبرالية في تحسين عيش مواطنيها أدى، في كثير من الحالات، إلى صعود الشعبوية. ولاحظت أن هذا التحول يشمل المواطنين في الدول الليبرالية الغربية كذلك، مؤكدة أن استطلاعات الرأي في أمريكا تكشف ميل ثلثي المواطنين من كبار السن إلى تفضيل الديمقراطية لذاتها، فيما النسبة لا تتعدى الثلث وسط المواطنين أقل من 35 سنة. وقالت إن نسبة الذين يفضلون الحكم العسكري في فرنسا وألمانيا وإيطاليا تضاعفت ثلاث مرات خلال الفترة بين 1995 و2017.

هل لذلك علاقة بالتغير في ميزان القوة الاقتصادية والعسكرية في العالم؟ تجيب الدراسة بأنه منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر كان تحالف الديمقراطيات الغربية (أوربا وأمريكا) يدير معظم ثروة العالم، أما في النصف الثاني من القرن العشرين، ورغم اتساع المد الديمقراطي ليشمل ألمانيا واليابان، فقد أصبح هذا التحالف أقل هيمنة.

طبعا، لهذا التحول نتائج واستحقاقات، فإذا كانت الديمقراطيات الغربية استعملت الثروة لممارسة النفوذ الثقافي والإعلامي والفني واللغوي، حيث كانت لعقود موطنا لأكثر العقول إبداعا وعبقرية، وأكثر البرامج والأفلام مشاهدة، وأكثر الصناعات تقدما، ومحضنا لأعرق الجامعات وألمعها، فإن انتقال مركز الثروة إلى خارج الغرب لأول مرة من شأنه أن يعادل الكفة لصالح السلطوية، حيث أصبحت للاستبداد قوته الناعمة أيضا.

لقد ولّد النمو الاقتصادي الرغبة لدى الدول السلطوية في التدخل في شؤون الديمقراطيات الغربية. والمثال البارز هنا، حسب الدراسة، محاولات روسيا التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، مؤكدة أن تأثير روسيا على السياسة في جميع أنحاء أوربا كان أكبر، من خلال تمويل أحزاب سياسية، بل تجنيد سياسيين متقاعدين يمارسون الضغط نيابة عنها ولصالحها طبعا. وتتساءل الدراسة حول ما إذا كانت روسيا ستظل وحيدة في سعيها إلى التأثير على سياسات الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، مؤكدة أن الصين شرعت في وضع الأسس التي ستمكنها مستقبلا من القيام بالدور نفسه.

وإذا كان تغير التوازن في القوة الاقتصادية والتكنولوجية بين الدول الغربية والدول السلطوية يجعل الأولى أكثر عرضة للتدخل الخارجي، فإنه يجعل من إمكانية نشر قيمها أمرا سهلا. وهو ما يلاحظ في كثير من المجالات، بما في ذلك في الأوساط الأكاديمية، والثقافة الشعبية، والمساعدات. بل إن قنوات مثل «الجزيرة» وRT في روسيا وCCTV في الصين تجد ملايين من الأمريكيين يشاهدونها بانتظام، والنتيجة نهاية احتكار الغرب للرسالة الإعلامية، فضلا عن إنهاء قدرته على المحافظة على مجتمع مدني لا تؤثر فيه الحكومات الأجنبية.

هل هي بداية النهاية؟ تتساءل الدراسة، لتجيب بأن الأزمة قد تكون مؤقتة إذا كانت القوة الاقتصادية للدول السلطوية مجرد طفرة عابرة، بسبب الأزمات البنيوية التي يعانيها اقتصاد هذه الدول، مثل روسيا والصين. كما تعوّل على دور الديمقراطيات الناشئة في البرازيل والهند وإندونيسيا، لكن هذا يتطلب من هذه الدول أن تجعل من الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية عقيدة لها، وهذا لم يتحقق بعد. لتنهي الدراسة بخلاصة متشائمة: «إن القرن الطويل الذي هيمنت فيه الديمقراطيات الليبرالية الغربية على الكرة الأرضية قد انتهى إلى الأبد».

شارك المقال