الجراري: اضطراب التعليم لا يمكن أن يحل إلا بوضوح الرؤية

17/07/2018 - 00:00
الجراري: اضطراب التعليم لا يمكن أن يحل إلا بوضوح الرؤية

في أغلب ردودكم، ثمة إحالة على دور التعليم والتربية في النهوض بكل مجال. والتعليم، كما قلتم سابقا، متعثر، وتحدثتم عن اللغة ارتباطا بإشكالية التعليم. هل يعود الإشكال إلى مسألة اللغة فقط أم هناك أشياء أخرى؟

لا شك أن التعليم يشكل حجر الأساس بالنسبة إلى أي نهضة وتقدم في أي مجتمع. حين ننظر إلى تعليمنا نجد أنه تبذل فيه مجهودات كثيرة، وترصد له ميزانيات ضخمة، ومع ذلك نلاحظ أن هناك تعثرا. لماذا هذا التعثر؟ هل المسألة تخص لغة التعليم كما تطرح اليوم، أم إنها مسألة المناهج، أم هي مسألة تكوين رجال التعليم، أم هي مسألة انعدام عنصر التربية في قضية التعليم؟ هناك قضايا كثيرة متعلقة بهذا الإشكال.  لكن، في الواقع هناك جوانب نقص أو عدم وضوح الرؤية لهذه الجوانب كلها. ولا يمكن أن ينهض التعليم كما لا يمكن أن ينهض أي مشروع آخر ما لم تكن له رؤية. وحين نقول رؤية نعني منظورا مستقبليا، أي ألا ننظر إلى المرحلة الحالية، وإنما كيف ستكون الأجيال بعد عشرين سنة مثلا، وهكذا. هذا الاضطراب ينبغي أن يحل، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بتوضيح الرؤية، والرؤية لا يمكن أن تتضح إلا إذا كانت معها إرادة سياسية لتأكيد هذه الرؤية ولتطبيق ما يترتب عليها.

ما أسلفت كلها أشياء يلاحظها الجميع، بمن فيهم المسؤولون عن التعليم أنفسهم، والمجلس الأعلى للتعليم، كما يلاحظها المربون والمعلمون في مختلف المستويات. لذلك، فالمسألة ليست بهذه السهولة، لأن هذا التعثر، كما قلنا، ليس وليد اليوم، وإنما هو تعثر استمر على امتداد ما يقارب ستين سنة. منذ البداية لم نستعد لمرحلة الاستقرار، وكيف نكوّن الأجيال ونربيها على القيم، وفي طليعتها خدمة الوطن، والتفاني في محبته، والتربية على تقدير الثوابت.

معنى ذلك أن ما اشترك فيه المسؤولون المتعاقبون هو انعدام المنهجية الاستشرافية منذ البداية؟

المنهج الاستشرافي شيء ضروري. وقد ظل التعثر ينمو شيئا فشيئا إلى أن تضخمت الأمور وأصبح من الصعوبة بمكان، ولا أقول من المستحيل، مواجهة هذه الإكراهات. ينبغي أن تكون هناك إرادة قوية وتصور ومنظور واضح للتعليم. ولا يمكن أن ينهض بذلك إلا المهتمون والمسؤولون عن التعليم.

حسناً، ما أهم الملامح التي يجب أن تميز هذه الاستراتيجية المفترضة من أجل النهوض بالتعليم؟

التعليم، في أي بلد يحترم نفسه، يقوم أولا على تكوين المواطن الصالح بناء على ما تقتضيه المواطنة. المواطنة بقيمها الأصيلة، بثقافتها، بلغاتها بإبداعاتها، وبما يتطلع إليه الناس في مختلف المجالات، الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، وهذه أشياء أساس في البناء. لكن، في الوقت نفسه، ينبغي ألا يظل المتعلم محصورا في جوانب أصالته وتراثه، فلا بد من أن ينفتح لأن العالم أصبح مفتوحا، ولا يمكن أن ننعزل عن هذا المجتمع الكبير. لا يمكن أن يظل متعلمونا منغلقين وهم يستعملون التكنولوجيا، ويتعرفون على ما يجري في العالم أكثر مما يتعرفون على ما يجري في بلدهم. وعليه ينبغي أن يكون التعليم أيضا منفتحا، والانفتاح يكون عن طريق اللغة أيضا، والمهم في هذا مراعاة الانفتاح الإيجابي.

المدرسة العمومية لم تعد تستطيع حتى ترسيخ الثقافة الخاصة بالبلد لدى المتعلم، فكيف يمكنها أن ترسخ فكرة الانفتاح الإيجابي؟

هناك خلل في الارتباط بالثقافة الوطنية وما هو أصيل، وذلك راجع، كما أسلفنا، إلى أن التعليم يحتاج إلى منظور وتصور واضح، وإلى من ينهض بكل هذا ممن مارسوا التعليم وخبروه. والمغرب، ولله الحمد، يعج بالخبرات القادرة على وضع هذه المنهجية.

هل يمكن أن نتحدث عن نهاية دور المدرسة العمومية اليوم؟

لا يمكن لأي بلد أن يتحدث عن تطور التعليم وهو يهمل المدرسة العمومية. فالمدرسة العمومية هي الأساس. وفي المغرب ينبغي إحياء دور المدرسة العمومية، لأنها أولا مدرسة للجميع.

قولكم لأنه ينبغي إحياء المدرسة تأكيد لموتها وأفول دورها؟

نعم هي تعاني التعثر، لذلك، ينبغي إصلاحها. وإصلاح المدرسة المغربية لا ينبغي أن يكون ببدائل، كالارتماء في أحضان التعليم الأجنبي، عبر مؤسسات خاصة أو مراكز أجنبية. صحيح أن هذا النوع من التعليم لا بأس به، لكن الأساس هو المدرسة الوطنية. والأجيال التي تحملت المسؤولية منذ الاستقلال وإلى الآن جميعا من خريجي المدرسة الوطنية. وجلالة الملك نفسه كثيرا ما يتحدث عن المدرسة الوطنية ويفخر بها، ويعتز بأنه تكون أيضا في المدرسة الوطنية، لذلك، لا مجال للحديث عن إلغاء المدرسة العمومية الوطنية، بل يجب الحرص على المحافظة عليها لأنها هي الأساس. هي المدرسة التي سيلتحق بها المواطنون جميعهم، فقيرهم وغنيهم، على امتداد تعاقب الأجيال.

شارك المقال