بعد أقل من سنة على مغادرته قصر الإليزيه الرئاسي، في حفل تسلم وتسليم « السلطة » لخلفه إيمانويل ماكرون، أصدر السياسي الاشتراكي ورئيس الجمهورية الفرنسية السابق، فرونسوا هولاند، كتابا تحت عنوان “دروس السلطة” les leçons du pouvoir، يسلط من خلاله الضوء على تجربته السياسية في فترة الأعوام الخمسة التي قضاها في سدة الحكم. كتاب هولاند الجديد « دروس السلطة » الصادر عن « دار ستوك »، تضمن استعادة مفصلة لولاية الرئيس الفرنسي السابق، التي انتهت بأن أصبح أول زعيم فرنسي في التاريخ الحديث لا يسعى لإعادة انتخابه وتجديد ولايته، والأجدر بالذكر أن هولاند أوضح في مقدمة الكتاب الذي استهله بالتفاصيل والمشاعر الذي رافقته خلال الساعات الأخيرة لمغادرته الإليزيه، (أوضح) أنه اتخذ قرار إصدار هذا الكتاب، بالضبط يوم حفل تسليم السلط، ولعله يحاول من خلال هذا الكتاب « التفسير والتبرير وقول كل شيء، قبل أن تنسب له أشياء.. والتاريخ لا يرحم ».
هولاند، في كتابه « دروس السلطة »، يتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بممارسة أسلوب الغموض والمناورات، والمسرحيات ذاتها التي اعتمدها لضم موسكو شبه جزيرة القرم الأوكرانية، بهدف بسط وجوده في الشرق الأوسط. »
تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إبان الهجمات الكيميائية التي قادها النظام السوري في المنطقة، فسره بوتين كإشارة على انسحاب القوات الأمريكية من منطقة تسبب فيها سلفه جورج بوش، بكثير من الدمار والخسائر، لقد قيم هذا القرار على مستوى مجموع الجهات الفاعلة في المنطقة.. آنذاك دول الخليج بدأت تشك في حليفها الرئيسي، فيما سمح الإيرانيون لأنفسهم بالتصرف مباشرة دون خوف من توقف المحادثات حول الاتفاقية النووية المستقبلية، النظام السوري بدوره تشجع على مواصلة المذبحة في حق شعبه، فيما أصبحت المعارضة المعتدلة فجأة متشددة… هذه الطريقة التي فسحت المجال أمام روسيا لاستعادة الاتصال مع الجميع وقررت التدخل بنفسها، لأول مرة منذ التجربة المشؤومة والمحزنة لغزو أفغانستان عام 1979″.
بالنسبة للرئيس الفرنسي السابق فرونسوا هولاند، فإن نظيره الروسي بوتين يحب الأجواء المشحونة والساخنة، ليلعب دور الوسيط ويتظاهر أيضا بإتلافه مخزونات الأسلحة الكيميائية السورية، لكسب الثقة. « والحقيقة أن النظام لا يزال محتفظا لنسبة مهمة منها يستخدمها بين الوقت والآخر »، يقول هولاند، مشددا على أن بشار الأسد تقوى وعاد إلى سرج العملية، بفضل الميليشيات الموالية لإيران ودعم الطيران الروسي، « كما أن داعش تنهار أيضا بفضل التحالف الكردي العربي المدعوم من التحالف الدولي ».
« وفي غياب عمل دبلوماسي قوي في ذروة التزامهم العسكري، ترك الغربيون روسيا وحدها تستمد الفوائد السياسية لهذا الاختلال، لتقلب موازين القوة لصالحها، وتتكلف هي باستدعاء المعارضة السورية أو ما تبقى منها لمحاولة التصالح مع النظام، وهي نفسها التي تتحالف مع تركيا وتتركها تسحق الأكراد الذين كانوا أبطالا شجعان في انتصارهم على داعش.. إنها روسيا التي تجمد أي تسوية شاملة للأزمة في الشرق الأوسط لتبرير عودتها إلى هذه المنطقة بشكل أفضل »، يقول هولاند، ويعتبر ما فعلته روسيا هو تسلل طويل ودرس مؤلم للديمقراطيات التي يملك قادتها رؤية طويلة الأمد لمصالحهم، غير آبهين للوسائل المستخدمة اللاأخلاقية، فلديهم كل الوقت لتحقيق هدفهم الاستراتيجي.
« فلاديمير بوتين واحد من قادة العالم، الذين يمكنهم التفاخر والتباهي بعمرهم الطويل المثير للإعجاب، ويبدو أنه لا يوجد حد يعارض متانة قوته وتسلطه، لذلك يرمق نظراؤه بنظرات لا تخلو من التعالي الممزوج بالفضول. وهو يعتقد في أعماقه أنهم عابرون فقط وأنهم عرضة للمخاطر الإعلامية والسياسية التي تجعلهم ضعفاء، يعتبرهم خاسئين ويحكم عليهم بالشلل والهوان.. لقد ورث هذا من التدريب الشيوعي الذي تلقاه خلال شبابه في الإمبراطورية السوفييتية، ما يفسر إحساسا متوارثا بالنفور من الولايات المتحدة عن الحرب الباردة… ويدافع بشكل شرس وغامض عن المسيحية في مواجهة خطر الإسلاميين الذين يهددون القيم الأخلاقية في الغرب حسب تفكيره ».
ولتوضيح فكرته وموقفه الشخصي من الرئيس الروسي، الذي جدد ولايته، يستحضر هولاند قصة معه طبعت رحلته لروسيا نهاية شهر فبراير من سنة 2013، حيث حل هذا الأخير ضيفا رفقة وفد حكومي على الكرملين في استقبال رسمي.
« رحب بنا بوتين وكان جد سعيد باستقبالنا في هذا القصر الضخم الذي يجمع بين ذكريات القيصرية والستالينية، مع سقوف عالية وجدران سميكة وبالية، قدم لنا وجبة الغذاء، التي كانت عبارة عن أكلات فرنسية احترمت فن الطبخ الفرنسي ببراعة، تبادلنا أطراف الحديث حول مجموعة من المواضيع، وصولا إلى الملف السوري، أدنت بصراحة تامة تجاوزات النظام السوري في المنطقة، وانتقدت حالة الجمود الذي تسبب فيها الدعم الروسي للنظام… من جهته لم يقاطعن فلاديمير أبدا خلال مداخلتي سمح لي بالتحدث بحرية، بوجه مكفهر. فجأة، دخل في حالة انتقاد عنيفة وبنبرة الغرور المزعومة من الغربيين تجاه الإسلاموية ليقول: لقد اختبرتم سالفا كل هذا أيها الفرنسيون، ألم تكن الحرب الجزائرية درسا؟، أجبته بنفس النبرة قائلا هذه هذه التي تسميها حربا كانت في المقام الأول حرب استقلال، ولم تكن دينية، كنا حينئذ قوة استعمارية تتعرض للهجوم من تمرد وطني. ابتسم بطريقة مشكوك فيها، وكأنه يدرك أنه قد ذهب بعيدا في تبرير سياسته تجاه الشيشان أو الأقليات الأخرى »