العثماني.. عالق في الفشل!

21/07/2018 - 21:00

تزايدت حدة الاحتقان الشعبي بسبب الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيش على إيقاعها المملكة المغربية منذ سنة 2013، بسبب بدء التراجع عن مكتسبات حراك 20 فبراير سنة 2011، وبسبب عرقلة تشكيل عبدالإله بنكيران للحكومة في الربع الأول من سنة 2016، وانفجار الاحتجاجات في الريف في السنة نفسها، وبعدها في مناطق أخرى؛ كل ذلك أثار اهتمام كبريات الصحف العالمية، منها صحيفة «إلباييس» التي أكدت أن الحكومة المغربية فشلت في تغيير الوضع، لأنها لا تملك أصلا قرارها ولا مصيرها، بل هي مجرد تابعة لمصادر القرار.

بتصرف عن «إلباييس»

 

شهدت المملكة المغربية يوم الثلاثاء 5 يونيو حدثا غير عادي. وزير الشؤون العامة والحكامة، لحسن الداودي، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي، يشارك في مظاهرة أمام البرلمان مع العشرات من عمال شركة (سنترال ــ دانون)، احتجاجاً على حملة مقاطعة يخوضها المواطنون، والتي لازالت مستمرة حتى اليوم. حملة انطلقت من مواقع التواصل الاجتماعي « فايسبوك »، في 20 أبريل الماضي، ضد ثلاث شركات رائدة في السوق المغربي: حليب « سنترال ــ دانون »، والمياه المعدنية « سيدي علي »، ومحطات الوقود « أفريقيا ».

المفعول العكسي

كان الهدف من الحملة المجهولة هو التنديد بغلاء المعيشة وبنظام الاحتكار من قبل القلة. لكن، وعلى عكس مما كان يتمناه الوزير، فقد أعطت مشاركته مفعولا عكسيا، إذ تعرض لوابل من الانتقادات حتى من داخل حزبه، نظرا إلى أنه خرج ليتظاهر ضد إرادة جزء كبير من الشعب المغربي الذي يتبنى المقاطعة.

بعدها، أُجبر على تقديم استقالته في يونيو. ومع ذلك، يحتاج طلب قبول الاستقالة إلى موافقة الملك، لهذا نجد أنه حتى بعد مرور شهر من طلب الاستقالة لازال الداودي يمارس مهامه كوزير. تجميد طلب الاستقالة يعكس الارتباك والانقسامات الداخلية، التي تتخبط فيها الحكومة المكونة من خمسة أحزاب. حكومة اهتزت بعد أقل من عام ونصف من تشكيلها بسبب الأزمة الاجتماعية بالحسيمة وحملة مقاطعة المواطنين لثلاث علامات تجارية.

هذا، وكان الملك محمد السادس أعفى رئيس الحكومة الإسلامي المكلف بتشكيل الحكومة، عبدالإله بنكيران، بعد ما استحال عليه تشكيل حكومة خلال ستة أشهر من المفاوضات مع مختلف الأحزاب السياسية. أمام هذا الوضع، عين الملك مكان الرجل الثاني في البيجيدي، سعد الدين العثماني. على الفور قبل الأخير الشروط التي فرضتها الأحزاب الأخرى على عبدالإله بنكيران. لكن، اليوم، وقبل انتهاء ثلاث سنوات من انتهاء ولايتها الحالية، يبدو أن الحكومة عالقة أمام التحديات الكبرى التي تواجه المملكة.

الحكومة السياسية في القصر

أحمد شيبة، موظف كبير في وزارة المالية وعضو مؤسس في الشبكة المغربية للدفاع عن المال العام، يعتقد أن الشيء الواضح من تدبير الحكومة الحالية هو أن التغيير الموعود سنة 2011 خلال الربيع العربي لم يتحقق. « الرسالة »، وفق شيبة، « كانت واضحة: لا تنتظروا حكومة سياسية خارج تلك التي توجد في القصر الملكي. إذ في ساعة الحقيقة، حتى تدبير الشؤون اليومية تُدار من قبل الديوان الملكي. حكومة سعد الدين العثماني لا تدبر لا السياسة ولا الاقتصاد ولا المالية ولا الجانب الاجتماعي. هذا وضع مقبول ومريح جدا سواء بالنسبة إلى أحزاب الأغلبية أو بالنسبة إلى المعارضة. « لحسن الحظ، بالنسبة إلى الحكم، كان الموسم الفلاحي هذه السنة جيدا، الشيء الذي سمح بانفراج اجتماعي. لكن إلى متى يستمر هذا الوضع؟ »، يتساءل شيبة، قبل أن يردف قائلا: « غياب حكومة قادرة على اتخاذ المبادرات يعوض بالحضور القوي للقوى الأمنية. الدولة غير قادرة على الاستجابة سياسيا لمتطلبات الوضع الراهن، لهذا تطلق العنان لجهاز الأمن الذي يتكلف بفرض سلوكه على مؤسسات أخرى، وبالضبط الجهاز القضائي، بهدف إخماد كل الحركات الاجتماعية. وهذا ما سيؤدي بنا إلى التأسيس للدولة البوليسية، كما في سنوات الرصاص (في إشارة إلى سنوات الثمانينات مع الحسن الثاني) التي كنا نعتقد أنها أصبحت جزءا من الماضي ».

الإصلاحات في قاعة الانتظار

ديفيد جويري، عالم السياسة الفرنسي المرتبط بمركز التحليل المغربي Tafra، أوضح أنه، على غرار الأزمة الاجتماعية التي انبثقت عنها المقاطعة والاحتجاجات في الريف وجرادة، فشلت الحكومة في تقديم أجوبة عن مطالب أخرى، مثل إصلاح قطاع التربية والتعليم والصحة والعدل. « قساوة الأحكام الصادرة في حق معتقلي الريف صدمت جزءا كبيرا من الشعب المغربي، وليس فقط المناضلين والنشطاء. صحيح أن هذه الأحكام سيتم تخفيفها، بكل تأكيد، في محكمة الاستئناف، لكن استياء الشعب كان يمكن تجنبه لو تم إصلاح قطاع العدالة إصلاحا حقيقيا، والذي لازال يراوح مكانه منذ أكثر من سنتين »، يضيف جويري. وبخصوص التعليم والصحة، يتذكر ديفيد جويري أن الوزراء المسؤولين على هاته القطاعات أُقيلوا يوم 24 أكتوبر من قبل الملك محمد السادس بسبب انعدام الكفاءة في إيجاد حلول لأزمة الحسيمة، فيما تأخر تعيين وزراء جدد مكانهم ثلاثة شهور، الشيء الذي « لم يسمح بالقيام بإصلاحات عميقة »، يشير ديفيد جويري. وأضاف أن التقييم الأخير، الذي قام به المرصد الوطني للتنمية البشرية حول الأساتذة، كان « دراماتيكيا ».

في الواقع، أظهرت الدراسة التي نشرت في عام 2017، أن التلاميذ حصلوا على درجات أفضل في الفرنسية (47.6 من 100) مقارنة مع أساتذتهم (41 في المائة). ويؤكد جويري: « فقط، في مادة الرياضيات تفوق الأساتذة على تلامذتهم ». « لكن مهاراتهم التربوية ضعيفة للغاية حتى إنهم لا يملكون حتى المعرفة لتدريس الرياضيات. الطبقة الوسطى تختار المدارس الخاصة وتستثمر حوالي 30٪ من دخلها في تعليم أبنائها. لكن المدارس الخاصة لديها أساليب أسوأ بكثير: الفارق هو أنها تقدم ساعات إضافية »، وفق جويري.

الاستياء من انسداد الأفق

وبخصوص ظاهرة المقاطعة، يعتقد جويري أنها تعكس رغبة الطبقة الوسطى في التعبير عن استيائها من الوضع. و »السبب الرسمي للمقاطعة هو التنديد بغلاء المعيشة. لكن، في الواقع، يكمن السبب الحقيقي في السخط من انسداد الأفق. فضلا عن الزيادة المستمرة في تكاليف التعليم في القطاع الخاص ذي الجودة المتوسط للغاية. كل ذلك عمل على تقليص القدرة الشرائية وغدى ردود الفعل الاحتجاجية الجماعية. ما جعل المقاطعة تُضعف الحكومة كثيرا ».

« في النهاية، التأخر في تنزيل الإصلاحات التي تسمح بتطبيق مضامين دستور 2011 أصبح غير محتمل، بشكل متزايد، من قبل للمواطنين »، يحذر جويري. فيما يرى محمد بنعبيد، مدير اليومية المغربية « لكونوميست »، أن العلامة المميزة لهذه الحكومة هي « التسويف » القائم على تأجيل المشاكل، ويشرح قائلا: « العديد من الأمور تحولت إلى سياسات كارثية، انطلاقا من ملف الحسيمة وصولا إلى المقاطعة لثلاث شركات ». وفي هذا السياق ينتقد محمد بنعبيد حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يقود التحالف الحكومي الحالي المكون من خمسة أحزاب، نظرا إلى أنه « لم يشغل المساحة السياسية التي يتوفر عليها ». و »على الرغم من أن العدالة والتنمية فاز بالانتخابات الجماعية سنة 2015 لم يتمكن ممثلوه من الاستفادة من الشبكة الإقليمية التي يدبرونها، خاصة في المدن، للتغلب على حالات الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المركزي »، يضيف بنعبيد. ويعتقد بنعبيد، أستاذ علوم المعلوميات بجامعة باريس 8 ودكتوراه العلوم الإدارية في المعهد العالي للتجارة وإدارة الأعمال (ISCAE)، أنه من المهم التوقف عند أسلوب رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، إذ يعتقد أنه في الوقت الذي « كان فيه سلفه عبدالإله بنكيران يتغلب على عجز النتائج بتكتيك الخطابة السياسية، يبدو أن العثماني ليست لديه لا نتائج ولا خطابة سياسية ».

حكومة مختبئة

شارك آلاف المواطنين المغاربة من مختلف المناطق، يوم الأحد الماضي صباحا، في مسيرة بمدينة الرباط، للتنديد بالأحكام التي أصدرتها الغرفة الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم 27 يونيو المنصرم، ضد 53 من معتقلي حراك الريف. تزعم المسيرة أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي، والذي ردد قائلا: « هذا صوت الشعب، والحكومة مختبئة ».

كما نظمت يوم الأحد قبل الماضي، مسيرة أخرى بالدار البيضاء شارك فيها ما بين 5000 و8000 شخص، حسب العديد من المنابر الإعلامية المحلية. وهي المسيرة التي لم تشارك فيها جماعة العدل والإحسان التي لديها تأثير كبير على المجتمع المدني، والتي تقاطع بشكل ممنهج الانتخابات. غير أن الجماعة قررت المشاركة في المسيرة الأخيرة بالرباط.

مسيرة الرباط حج إليها مغاربة من مختلف الأطياف، الحاملين للإعلام الأمازيغية والحامين لصور الثوري تشي غيفارا، فضلا عن لافتات مكتوب عليها: « ديمقراطية، حرية، علمانية »، حتى مناضلات العدل والإحسان شاركن في تلك المسيرة خلف مناضليها.

شارك المقال