عبد الحفيظ اليونسي: أستاذ القانون العام بكلية الحقوق سطات
لماذا عودة الجدل حول الملكية البرلمانية بعد وضع دستور 2011؟
لا أعتقد أننا أمام جدل يعكس دينامية مجتمعية متباينة ومختلفة في موقفها من الملكية، بل هناك فقط موقف عبر عنه الأستاذ عبد العلي حامي الدين، واستغله البعض لتصفية حسابات مع المكون السياسي الذي ينتمي إليه، وهو مؤشر سيئ يعكس درجة انحطاط هذه الطبقة السياسية التي يمكن أن تضحي بعناصر استقرار البلاد فقط من أجل تصفية حسابات سياسية ضيقة، لأنه اليوم لا أحد يجادل في المغرب في شرعية ومشروعية الملكية، لكن هناك اختلافا في وجهات نظر حول طريقة اشتغال الملكية، وطريقة تدبير السلطة وفائض السلطة لدى الملكية، وأعتقد جازما أن من مصلحة المغرب والملكية والدولة والمجتمع ألا يتوقف الإصلاح والتغيير التدريجي نحو دمقرطة الدولة والنظام السياسي، دون التفريط في الثوابت معطى للإجماع.
لكن، عموما، النقاش العمومي اليوم فهو مطلوب في أي موضوع يمس الدولة أو المجتمع، والمغرب، الذي آمن بالتعددية وحافظ على هامش من الحريات في أحلك الظروف، قادر على إدارة أي نقاش دون خوف أو وجل. المهم هو ألا يتوقف الإصلاح حتى لا يصاب الناس باليأس والإحباط.
هل معنى ذلك أن الإصلاحات التي أقرها دستور 2011 قد استنفدت؟
أنا أقول العكس، فدستور 2011 يحمل في طياته جوهر الملكية البرلمانية بصيغتها المغربية، هل مطلوب منا اليوم تكرار تجربة بريطانيا وإسبانيا لكي نسمى دولة ديمقراطية؟ الأصل في الملكية البرلمانية هو تحميل المنتخَب مسؤولية تدبيره، ويعاقب إن فشل بصناديق الاقتراع، وإن أخطأ وانحاز عن الصواب فالقضاء، الذي يفترض أنه مستقل، يقوم بدوره في الرقابة البعدية. وبالتالي، فدستور 2011 هو ورش ديمقراطي مفتوح، لكن الجميع متوجس من خوض تنزيله، وهو خوف مرده إلى تحولات المحيط، وعدم تجديد النخب المعينة والمنتخبة، وإلى تقاليد تدبير السلطة في بلادنا، وهي تقاليد تتطلب نضالا على الأرض وفي المؤسسات من أجل إحلال ثقافة حديثة في مفاصل الدولة والإدارة. في اعتقادي، أن الأمر ليس بالبساطة التي يتصورها البعض، فالأمر يتطلب تدرجا وجرأة وإبداعا من أجل خلق نموذج جديد في تدبير الحكم.
ما علاقة هذا الجدل بالطريقة التي جرى بها إفشال بنكيران في تشكيل الحكومة؟
الأكيد أن البلوكاج الذي عرفته الساحة السياسية طيلة 7 أشهر كان له تأثير كبير على منسوب الثقة في العملية السياسية لا يمكن الاستهانة به، لكن، هل هناك علاقة بين النقاش حول الملكية البرلمانية وإعفاء بنكيران؟ لا أظن أن هناك علاقة. في نظري، البلوكاج هو تتويج لتدبير جزء من الدولة لمسلسل التراجع ما بعد الربيع الديمقراطي، أي الخروج بأقل الأضرار الممكنة، مع التخلص من بنكيران نموذجا في التواصل وتدبير العلاقة مع الدولة.
بطبيعة الحال، البلوكاج وإعفاء بنكيران وإعفاء الوزراء وبعض المسؤولين تعطي انطباعا بعودة الملكية التنفيذية. أظن أن هذه الخلاصة مجازفة، لأن المغرب، من خلال دستوره واستقرار العملية الانتخابية، يحافظ على خط الرجعة في أي لحظة إلى مسار الإصلاح من جديد، لأن تحصين الدولة بمختلف مؤسساتها يكون بالديمقراطية أولا وأخيرا، لأن الوصفات التي جربت منذ 1999 إلى اليوم أثبتت فشلها وخطورتها في بعض الأحيان.
هل إصلاح دستوري جديد يقوي سلطات رئيس الحكومة ويصون الإرادة الشعبية هو الحل للخروج من الأزمة الحالية؟
لا أتفق مع توصيف الوضع بالأزمة، هناك حالة من التراجع عن الإصلاحات، وتراجع عن بث نفس ديمقراطي في المؤسسات وفي العلاقة فيما بينها، وهو تراجع متفهم بالنظر إلى تجارب التاريخ في الديمقراطيات، لكن من مصلحة المغرب، كما قلت، ألا يتوقف الإصلاح في مختلف المستويات، وهو الإصلاح الذي ينبغي اليوم أن يتجاوز التشخيص الذي أصبح موضة التدبير العمومي في مختلف مستويات الدولة، وكأن الجميع يتحلل من المسؤولية من خلال ذكر أرقام التشخيص بعجائبية، في حين أن هذا الوضع هو نتاج سياسات اتخذت في مكان محدد وفي زمن محدد. على أي حال، لا أظن أن المشكل في تعديل الدستور، المشكل أعمق من ذلك ويمس السياسة أساسا، مجالا لإنتاج الأفكار والمواقف والإنصات إلى الناس وتغيير أحوالهم نحو الأفضل. أعتقد أن هذا الدستور صالح اليوم ليكون إطارا عقلانيا للإنصات والإنجاز وليس للكلام والجدال. 6