عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية، يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.
لنتحدث أستاذنا عن الانتماء الإفريقي، هل المغرب يعيد اكتشاف إفريقيته في المرحلة الراهنة؟
المغرب كان دوما حاضرا في إفريقيا على مر التاريخ. الدولة المغربية كانت تمتد من شمال الأندلس إلى تومبوكتو وعمق إفريقيا. نحن المغاربة لسنا طارئين على إفريقيا، بل لدينا روابط ممتدة. وأوثق ما يربطنا بإفريقيا هي تلك القيم الإسلامية، والثوابت التي نعتمدها. فالأفارقة أيضا عقيدتهم أشعرية، ومذهبهم مالكي وتصوفهم سني. وعلى منابرهم يدعون دوما لأمير المؤمنين.
وإذا ما تحدثنا عن الجانب الاقتصادي في هذه العلاقة، ماذا يمكن أن تقول لنا؟
نحن اليوم في حاجة إلى استثمارات اقتصادية في إفريقيا، وكذلك إفريقيا تحتاج إلى المغرب في عدد من المجالات، والمغرب مستعد لكي يقوم بذلك، وهو فعلا يقوم به. لكن، لا ينبغي أن ننسى الروابط الأهم التي تربطنا في الأصل بإفريقيا، لا ينبغي أن نفرط في الثوابت، التي تعد العمود الأساس الذي تتبعنا إفريقيا فيه.. نحن أولى بالتشبث بالثوابت الدينية، التي يتشبث بها الأفارقة، خاصة في عهد الملك محمد السادس الذي عاد بالمغرب إلى إفريقيا بشكل أقوى مما كان عليه سابقا.
لذلك، يجب أن يدرك المسؤولون كما المواطنون أن ما يربطنا بإفريقيا ليس بعض الاستثمارات أو المساعدات التي يسهل الاستغناء عنها فيما بعد، تحت ظرف من الظروف، وإنما ما يربطنا هو أكبر وهي الثوابت التي تحدثنا عنها في ما سلف، ولكي لتنمو العلاقات بيننا في مختلف المجالات، علينا التشبث بها أكثر.
على خطى الملك محمد السادس في التوجه نحو إفريقيا، توجهت مجموعة من الجمعيات أو المؤسسات إلى الاحتفاء بإفريقيا في تظاهرات ثقافية أو فنية، لكن التيمة التي تغلب على هذه الاحتفاءات تتعلق بالفلكلور وما شابه بعيدا عن الحديث عن الثوابت التي ركزتم حديثكم عليها. ما رأيكم؟
نحن نعتبر أن الثقافة لها مظاهر متعددة، منها المظهر الفني أو ما يدخل في الفلكلور وما شابه. نحن قبل أكثر من خمسين عاما دعونا في كتاباتنا إلى الاهتمام بالفلكلور. لكن هذه الدعوة لا تعني أن الفلكلور هو كل شيء. صحيح أن هذا جانب مهم في الثقافة الإفريقية، وهو جانب فني فيه إبداع وينبغي الاهتمام به، لكنه ليس وحده ما يمثل إفريقيا. إفريقيا، لمن لا يعرفها تضم أيضا كبار المتصوفة، وفيها زوايا، وتشمل إفريقيا أيضا علماء ومفكرين وأشخاصا حكماء يخدمون الثقافة العربية الإسلامية. والدليل على ذلك الوفود الكبيرة التي تأتي إلى المغرب، كما هو الشأن في الوفود التي شاركت وتشارك في سلسلة «الدروس الحسنية» التي تقام في المغرب، وهي وفود تضم علماء، وبينهم خريجون من الجامعات المغربية، ويتقنون الحديث باللغة العربية ويتقنون العلوم الإسلامية.
ارتباطا بالهوية والانتماء الخاص بالمغرب، أين يمكن أن نتموقع بشكل إيجابي على خريطة نستفيد منها في مختلف المجالات؟ هل إفريقيا أم إسلاميا أم عربيا أم متوسطيا؟
المغرب بحكم تاريخه وبحكم موقعه لا يمكن أن يحصر نفسه في ركن واحد من أركان العالم. فالمغرب جاء، جغرافيا، على رأس إفريقيا، وقريبا من أوربا ويشرف على المتوسط، وله ساحلان. والمغرب تبعا لذلك أقرب بلد إفريقي إلى القارة الأوربية من حيث المسافة. وفضلا عن ذلك، من منظور تاريخي، نجد أن المغرب هو الدولة التي تقبلت الإسلام وتمسكت به وأصبحت حامية له. والمغاربة خدموا تاريخهم وتاريخ الإسلام بمواقفهم وجهادهم. وأيضا المغرب دولة بهوية إسلامية، وذلك بالنص الواضح للدستور، الذي نص أيضا على الهوية العربية، كما نص على الهوية الأمازيغية. وبين الهويتين العربية والأمازيغية وقع الامتزاج في المغرب، وإذا تحدثنا عنه اليوم فمن باب السرد التاريخي، فلم يعد ممكنا في مغرب اليوم الفصل بين العربي والأمازيغي بفعل التداخل.