"عين النقبي"... حي فقير في فاس ومقبرة أبنائه في ليبيا

16 أغسطس 2018 - 19:30

من بين قصص ومآسي الهجرة غير الشرعية، في قوارب الموت، فاجعة ربيع سنة 2016، حين تناقلت وكالات الأنباء خبر غرق قارب صيد في المياه الدولية بين ليبيا وإيطاليا، ليلة الأربعاء 25 ماي، والذي كان يحمل على متنه 700 مرشحا للهجرة، أغلبهم مغاربة، استطاع عدد منهم النجاة بنفسه للوصول إلى الشواطئ الإيطالية، وظهرت جثث آخرين على عرض السواحل الليبية، فيما أكدت المنظمات الدولية أن 53 من المغاربة لا زالوا في عداد المفقودين، أغلبهم منحدرين من مدن فاس وبني ملال.

عشرة شباب من حي عين النقبي، أحد أفقر أحياء مدينة فاس، ضمن المفقودين في عرض المتوسط في هذه الكارثة التي صنفت كأكبر محاولة عبور للبحر الأبيض المتوسط من ليبيا إلى إيطاليا خلال 2016، كان آخر خبر تتوصل به عائلاتهم هو خبر غرق قاربهم، ليتوقف “حلم الهجرة”، ويستبدله الأهالي بعد سنتين من الفاجعة، بحلم الوصول إلى جثث الأبناء، ودفنها.

“اليوم 24” انتقل إلى حي عين النقبي، التق أهالي الشباب المفقودين في الفاجعة، جمع شهاداتهم، تلقف الحقيقة من أفواههم، وتتبع خيوط الحكاية التي حكوها بأنفسهم نقلا عن أبنائهم الذين كانوا على تواصل دائم معهم طيلة أيام رحلتهم الأخيرة، لنجمع خيوط الحكاية، ونروي من جديد تفاصيل رحلتهم من واد النقبي إلى ليبيا، “رحلة الموت” التي كلفت ضحاياها مليوني سنتيم، لتجعل من “عين النقبي” حيا في فاس بمقبرة في مياه ليبيا.

رحلة البحث 

في حي واد النقبي في فاس، ليس من الصعب إيجاد عائلات أحد ضحايا فاجعة غرق الشباب المغاربة في السواحل الليبية، لأنه لا يكاد يخلو زقاق من أزقة الحي من عائلة أحد الشباب أو أحد أقربائه، ورغم أن الفاجعة مضت عليها سنتين كاملتين، إلا أنها لا زالت جرحا لم يندمل، وجمرة لا زالت مشتعلة في قلوب أبناء الحي.

ورغم أن الفاجعة “قديمة” إلا أن أهالي الضحايا، حلمهم أن يأتي أحد للسؤال عن المأساة، يتجمهرون حوله، يطلبون مساعدته، ويأملون أن يكون هو صوتهم للخارج، لعله يصل هذه المرة، لمن يستطيع مساعدتهم، للوصول إلى الخبر اليقين، أو الخبر الأخير عن الأبناء الذين خطفهم حلم الهجرة.

 دافع الهجرة  

ككل المهاجرين الذين اختاروا مغادرة أوطانهم نحو الضفة الأخرى من المتوسط، وتكبد المشاق والمخاطر التي كانوا على علم أنها قد تودي بهم إلى مصير مجهول، وبالنظر لوضعية الشباب العشرة المهاجرين من واد النقبي، فإن ما كان يوحدهم هو وضعهم الاجتماعي الصعب الذي عاشوا فيه، وسط أحد أفقر أحياء المدينة، حيث يؤكد الأهالي أنهم بالكاد يتدبرون قوت يومهم، غير أن مستواهم التعليمي وما كانوا يمتهنونه متباين للغاية.

ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية واحدة، وفكرة الهجرة استطاعت أن تتمكن من عقولهم، خصوصا أن أغلبهم انقطعوا عن الدراسة في السنوات الأولى من المستوى الإعدادي، وتوزعت نشاطاتهم بين البطالة، والمهن الموسمية، والحرف التي تدخل في إطار الصناعة التقليدية، في حين لا يوجد بين الضحايا العشرة سوى طالب جامعي واحد.

ورغم أن ذوي الضحايا أجمعوا في تصريحاتهم، أن الظروف الاجتماعية الصعبة من أهم أسباب هجرة أبنائهم، إلا أنهم يشيرون بأصبع الاتهام إلى الجهة التي يقولون أنها “سممت” أفكار أبنائهم وأقنعهتهم بفكرة ركوب الأمواج نحو المجهول، رغم معارضة الأهالي للفكرة جملة وتفصيلا.

الرحلة المكلفة

فريد، سمير، كريم، وآخرون، كلهم شباب من عين النقبي، أعيتهم ظروفهم الاجتماعية الصعبة، فغادروا إلى الجزائر، ثم إلى ليبيا التي اضطربت الأوضاع فيها. دخلوها بطريقة غير شرعية عبر الحدود الجزائرية بعد أن قطعوا صحراء وعرة بصحبة وسيط ليبي، لقاء ما يقارب مليوني سنتيم، دفعها كل واحد منهم، مقابل الرحلة الموعودة من العاصمة الجزائرية، إلى إيطاليا عن طريق السواحل الليبية، ولا تتضمن مصاريف الرحلة الجوية من الدار البيضاء إلى العاصمة الجزائر.

كل واحد من الشباب كانت له قصته لجمع تكاليف الرحلة، إلا أنها قصص متشابهة بين عائلات وحدها الفقر والحاجة، اتجهت كلها لطرق الأبواب والتدين لتوفير ثمن رحلة أبنائها، وتقول أم أحد الضحايا عن رحلة ابنها لجمع تكاليف الرحلة: “ابني كان طالبا ولم تكن لديه أي مدخرات، والده عامل في الموقف، اعتبرنا مشروع هجرته مشروع انتشال العائلة من الفقر، تدينا مبلغ الرحلة من العائلة، وساعدته أخته المستخدمة في شركة لإتمام مصاريف الرحلة”.

ونظرا لتكلفة الرحلة التي تعتبر في منطق الأهالي “باهظة”، طلبوا من مهرب أبنائهم ضمانة، تضمن لهم أن أبنائهم سيهاجرون فعليا، قبل تسلمه لمبلغ الرحلة، فاقترح عليهم الوسيط الليبي، أن لا يدفعوا المصاريف إلا بعد وصول أبنائهم إلى الأراضي الليبية، وهو ما كان فعلا.

الطريق من فاس إلى ليبيا  

الطريق من واد النقبي إلى ليبيا كالحكاية، يروي فيها أهالي الشباب المفقودين في الفاجعة كيف ودعوا أبناءهم قبيل الفراق الأخير، في حكاية بدأ أول فصل منها يوم الخميس 7 أبريل 2016، حيث استقل الشباب مجتمعين أول قطار في رحلتهم نحو مطار محمد الخامس، ثم سافروا على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية المغربية ليصلوا في اليوم ذاته إلى مطار الهواري بومدين بالعاصمة الجزائر.

يروي الأهالي أن أبناءهم نزلوا في أحد فنادق العاصمة حيث أمضوا ليلتهم الأولى، لينطلقوا نحو وجهتهم الثانية في رحلة الهجرة، برا، نحو ليبيا.

رغم الإجراءات المشددة التي أصبحت تتخذها الجارة الجزائر، بعد أن رصدت التزايد الكبير في أعداد الشباب المغاربة القادمين إليها جوا، استطاع الشباب العشرة القادمون من فاس أن يتخطوا أول عقبة تواجههم دون أن يتم كشف نيتهم في الهجرة السرية من السواحل الليبية.

يروي أهالي المفقودين أن أبناءهم لما وصلوا إلى مطار الجزائر، تم احتجازهم في المطار لساعات طوال، حيث تم إخضاعهم لثلاث تحقيقات متفرقة للشرطة الجزائرية، لمعرفة سبب حلولهم في مطار الهواري بومدين، إلا أن الشباب كانوا يتوقعون هذه الإجراءات المشددة، وأقنعوا الشرطة الجزائرية، أنهم حلوا بالجارة الشرقية لتشجيع فريق الكوكب المراكشي، الذي كان من المرتقب أن يجري مباراة مع فريق مولودية وهران الجزائري، خلال نفس الشهر.

“إلياس”.. الوسيط الليبي المتخصص في شمال افريقيا 

“إلياس”، هو الإسم الأكثر تداولا في شهادات عائلات شباب عين النقبي المفقودين في الحادث، هو الوسيط الليبي، الذي كان الشباب العشرة يقولون إنهم في تواصل دائم معه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان يشرح لهم محطات سفرهم، و يوضح لهم مسار رحلتهم “الأخيرة”.

رقم هذا الوسيط الليبي، الذي لا يعرف الأهالي عنه أي شيء سوى اسمه، كان يتداول بين أبناء الحي من المراهقين و الشباب، حيث يتواصلون معه بشكل مباشر للاستفسار عن رحلات الهجرة الغير شرعية التي ينظمها، يحمسهم ويشجعهم ويروي لهم قصصا لشباب استطاع تحقيق حلمهم بالعبور للضفة الأخرى، خصوصا أنه سبق لعدد من شباب الحي أن سافروا للضفة الأخرى من المتوسط بوساطته، بنفس الطريقة، مطلع شهر فبراير من العام 2016، ووصلو سالمين إلى إيطاليا بداية شهر مارس.

أول لقاء جمع الشباب المفقودين بـ”إلياس” كان على الأراضي الجزائرية، حيث أخذهم من فندق إقامتهم في العاصمة الجزائر، شحنهم في سيارة “تويوتا هيلوكس” المكشوفة، وعبر بهم رمال صحراء المنطقة الحدودية، إلى أن وصلوا ليبيا، ليستقروا في ضيعة بعيد عن المدينة، دون أن يسمح لهم بالتعرف على مكان تواجدهم بالضبط، مانعا إياهم من محاولة الخروج، لعشرة أيام متواصلة.

لم يكن شباب فاس لوحدهم، بل وجدوا أنفسهم منذ وصولهم إلى الجزائر إلى جانب شباب مغاربة أكبر عدد منهم كان من مدينة بني ملال، جاؤوا عبر الوسيط نفسه.

“الاحتجاز” في ليبيا

في المحطة الثانية على الأراضي الليبية، قرر الوسيط الليبي تغيير مكان المهاجرين المغاربة، من الضيعة التي أمضوا فيها الأيام العشرة الأولى من رحلتهم، لينقلهم إلى بيت مهجور، في مدينة ساحلية، لم يستطيعوا التعرف على اسمها، حيث ظهروا في الصور التي بعثوها لأهاليهم، في البيت الذي تم احتجازهم فيه لما تبقى من وقت على رحلتهم، يعيشون في ظروف لا إنسانية، متكدسين في غرفة واحدة من مكان مهجور.

خلال فترة إقامة الشباب المغاربة المرشحين للهجرة في ليبيا، والتي امتدت لما يقارب الشهر ونصف، تسلل اليأس لقلوبهم بعد أن طال بهم المقام في أرض ليست هي “أرض أحلامهم”، ما دفهم لمطالبة “إلياس” بإعادة مصاريف سفر لم تعد لهم رغبة به ويئسوا من انتظاره، إلا أن رده كان بشكل آخر، حيث أنه لم يكتف بالرفض، بل انتقل لتهديدهم بالقتل ب “كلاشينكوف” كان يدخل عليهم وهو يحمله، أو بالتخلي عنهم في بلد لم يعد أي شبر منه يعرف الأمن منذ سنة 2011، وتنتشر فيه الميليشات المسلحة.

الصورة الأخيرة

تحقق بالفعل حلم الشباب العشرة من أبناء عين النقبي في ركوب أمواج البحر الأبيض المتوسط نحو ليبيا، في صباح أحد أيام شهر ماي، رفقة المئات من المهاجرين الآخرين، غير أن القارب غرق، لتتحول “الرحلة” إلى “خبر” تناقله وكالات الأنباء الدولية ومحطات الأخبار العالمية، كواحد من أكبر مآسي الهجرة، وتتتبعه عائلاتهم، ليكون الخبر الرسمي الأول والأخير عن أبناء اختاروا الطريق الصعب لتحقيق الحلم.

يتناقل أهالي الضحايا إلى اليوم في هواتفهم، الصورة الأخيرة لأبنائهم حيث كانوا محتجزين في ليبيا، وهي الصورة التي تضم عددا من أبناء الحي، ويقول الأهالي إن الناجين منها لا يتجاوزون الإثنين، فيما لا زالت مصائر الآخرين مجهولة.

عامان على الفاجعة.. والتجاهل الرسمي

يقول أهالي المهاجرين المفقودين من عين نقبي، أن هذا الحي الفاسي المهمش، كان دائما أرضا خصبة للمهربين، ممن يغررون أبناء الحي للهجرة بطق خطرة إلى أوروبا، غير أن حادث 2016 الذي لا زال مصير ضحاياه من أبناء الحي مجهولا، أدخل الرعب لقلوب الجميع، وأوقف نزيف الهجرة من الحي.

ورغم الوقت الذي مضى على الفاجعة، إلا أنها لا زالت مشتعلة في قلوب الأهالي وأبناء الحي، حيث يقول شقيق سمير، أحد الضحايا، في حديثه لـ”اليوم24″ بعينين تفيضان دمعا “ملي وصلنا خبر الغرق مابقيناش نعرفو الفرحة، واليدينا ماكيعرفو عيد ما كيعرفو رمضان، كل المناسبات كتولي غير بكا على خونا لي غرق وماعارفين خبر عليه”.

غير أن ما يحرق قلوب عائلات الضحايا، هو ما يقولون إنه تجاهل رسمي لمعاناتهم، حيث يقول أخ الضحية سمير في ذات التصريح “هادو لي غرقو راه إنسان وخوتنا، ولكن كيتعاملو معنا بحال إلى غرقو لنا الكلاب، مشينا عند المسؤولين ماكيهضر معنا أحد ماكيعطيونا خبر، هادشي حرام”.

ليبيا .. المقبرة الجديدة للشباب المغاربة

منذ بداية الثورة الليبية، وسقوط نظام الرئيس معمر القذافي الذي تبعه تردي الوضع الأمني في المنطقة، أصبح البلد وجهة هو الوجهة الجديدة للشباب المغاربة الطامعين في الهجرة نحو أوروبا، خصوصا مع الإجراءات الأمنية المشددة التي كان يفرضها المغرب على الهجرة غير الشرعية من شواطئه الشمالية.

حادث غرق قارب الصيد الذي كان يحمل أبناء عين نقبي في عرض المتوسط ما بين ليبيا وإيطاليا، كان هو الحادث الذي أماط اللثام عن التوجه الجديد لهجرة المغاربة من ليبيا، ورغم أن الحادث مر دون أي تعليق حكومي رسمي أو غير رسمي، إلا أنه كان نقطة بداية التفاتة حكومية للمغاربة المحتجزين في ليبيا، ليبدأ المغرب منذ ذلك الوقت وإلى الآن، إجراءات ترحيل دفعات من أبنائه المحتجزين في ليبيا، والتكفل بمصاريف إعادتهم إلى المغرب، بعد إجراءات أمنية مشددة، خوفا من تسلل مقاتلي منظمات إرهابية، في جبة مهاجرين غير شرعيين.

ورغم الجهود الرسمية التي تضاعفت مع صدور تقارير لمنظمات حقوقية دولية، توثق الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون المغاربة في ليبيا، إلا أن هجرة المغاربة إلى ليبيا طمعا للوصول عبرها إلى أوروبا لم تتوقف، وهو ما تثبته التقارير التي يصدرها باستمرار مركز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لحكومة الوفاق الليبي، الذي يحتجز كل المهاجرين غيرا لشرعيين المغاربة في مراكز خاصة، إلى حين ترحيلهم، إلا أن آخرين، يسقطون في أيادي الميليشيات المسلحة، أو مهربي البشر، ليلقوا حتفهم قتلا أوغرقا أو يمضوا سنوات من عمرهم، محتجزين في أماكن لا تطالها أيادي الأمن الليبي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.