الدولة و«الزماكرية».. ثروة حقيقية

19 أغسطس 2018 - 21:30

هناك قرابة 5 ملايين مغربي في الخارج، يزور حوالي النصف منهم المغرب سنويا، ويحولون حوالي 62 مليار درهم من العملة الصعبة سنويا. 70 في المائة من هؤلاء تقل أعمارهم عن 45 سنة، و20 في المائة منهم مزدادون في بلد الإقامة. هؤلاء يشكلون ثروة حقيقية للمغرب، فهم مصدر لاستقرار العديد من الأسر في المغرب، من خلال توفير لوازم معيشها اليومي، وهم مصدر لتنشيط الحركة الاقتصادية والاستثمارات في قطاعات مختلفة، خاصة العقار، وهم أيضا مصدر للكفاءات.

فكثير من المهاجرين المغاربة درسوا في الخارج، وراكموا خبرات، وهم مستعدون لخدمة بلدهم إذا توفرت لهم الظروف المواتية لذلك، ولم تعد صورة المهاجر مرتبطة في الأذهان بفئة غير متعلمة تشتغل في المهن الشاقة. بالنسبة إلى السلطات المغربية، فقد تطور تعاملها مع هذه الفئة. في البداية كانت النظرة إلى المهاجرين تقتصر على أنهم مصدر للمال والعملة، لذلك كانوا يُستقبلون بطريقة فولكلورية تلخصها الأغنية الدعائية لنجاة اعتابو قبل بضع سنوات «مرحبا بيكم في بلادكم»، لكن في السنوات الأخيرة، أصبحت الجالية محور سياسات عمومية، ترصد لها إمكانيات مادية مهمة، وبرز ذلك في العديد من الخطب الملكية التي خصصت للدعوة إلى الاهتمام بالجالية بفتح باب المشاركة السياسية أمامها، أسوة بباقي المغاربة، وحسن التعامل معها في القنصليات في الخارج وفي الإدارات في المغرب، كما أصبحت الجالية محور اهتمام التأطير الديني والثقافي للحفاظ على الهوية الوطنية. هناك عدة عوامل أدت إلى تغير تعامل السلطات مع الجالية؛ أولها، الحاجة إلى الجالية وجمعيات الجالية للدفاع عن المصالح الوطنية، لذلك، هناك توجه لتنظيم الجالية في الخارج لتكون مجندة، رغم أنه، في كثير من الأحيان، يكون هذا التجنيد فقط لتنظيم وقفات احتجاجية دفاعا عن قضية الصحراء أو مصالح المغرب، وليس في أمور أعمق، مثل الاستفادة من خبرات الأطر المغربية. ثانيا، هناك المخاطر المحدقة بالجالية مثل الإرهاب، فالعديد من أبناء الجالية الذين ولدوا في الخارج يعانون مشاكل ثقافية وهوياتية، وأصبحوا عرضة للتطرف، وقد تبين أن الكثير من المغاربة الذين التحقوا ببؤر التوتر في سوريا والعراق، أو تورطوا في عمليات مثل ما حدث في باريس، هم من أصول مغربية. هناك عدة مؤسسات تهتم بالجالية، كالوزارة الوصية على القطاع، ومجلس الجالية، ومؤسسة محمد الخامس للمغاربة المقيمين بالخارج، والمجلس العلمي الأوروبي، ووزارة الأوقاف والمصالح الأمنية. كل هذه المؤسسات لها أدوار تهتم بالجالية وتراقبها، لكن ما ينقصها هو تنسيق هذه الأدوار وتكاملها، ووضع سياسة مندمجة ومتكاملة للنهوض بأوضاع الجالية والاستجابة لتطلعاتها، وإعطائها المكانة التي تستحقها.

دستور 2011 أعطى مكانة للجالية، ونص في الفصل 17 على أن «يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشحاتهم للانتخابات في اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية. ونص على أن يحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي». ونص الفصل 18 على أن «تعمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج، في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة، التي يحدثها الدستور أو القانون». لكن هذه الحقوق السياسية لم تتبلور بعد.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.