الدولة و«الزماكرية».. اهتمام ملكي وخطر الإرهاب

19 أغسطس 2018 - 22:30

مع بداية كل موسم صيف، يتوافد على المغرب الآلاف من المهاجرين المغاربة من مختلف الدول، خاصة الأوروبية. الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن حوالي 5 ملايين مغربي يقيمون في الخارج، ولا تكاد توجد أسرة مغربية لا تتوفر على أفراد من العائلة في إحدى دول المهجر. وخلال العقدين الماضيين، تطورت سياسة الدولة تجاه هذه الفئة من المجتمع، بعدما كانت مهمشة عدة سنوات، وبدأت ملامح سياسة بشأنهم ترتسم في ظل تعاقب الحكومات، ترجمتها العديد من الخطب الملكية، وتبلورت في عدد من المؤسسات، سواء من خلال التطور في عمل وزارة الجالية أو مجلس الجالية، أو نشاط مؤسسة محمد الخامس للمغاربة المقيمين في الخارج. فماذا يمثل المهاجرون بالنسبة إلى الدولة المغربية؟ ولماذا تطور الاهتمام بهم في السنوات الأخيرة؟

لا حاجة إلى التذكير بأن تحويلات الجالية المغربية في الخارج من العملة الصعبة تعتبر أهم مصدر للعملة حسب مكتب الصرف. في سنة 2017، ارتفعت مداخيل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بنسبة 4 في المائة، لتصل إلى 60.2 مليار درهم. ويصل إلى المغرب سنويا الآلاف من المهاجرين، عبر الموانئ والمطارات، وهم يلعبون دورا في تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد، ويضمنون استقرار كثير من الأسر من ذويهم. في هذا العام، وصل إلى المغرب، ما بين 5 يونيو و29 يوليوز 2018، أزيد من 474 ألفا و562 مهاجرا مغربيا، بزيادة فاقت 9 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. عدد السيارات العابرة لمضيق جبل طارق في اتجاه ميناء طنجة، الذي يستقبل أكثر من 70 في المائة من مجموع الوافدين على المغرب، بلغ 125 ألفا و707 سيارات، حسب سلطات الميناء. في سنة 2017، سُجل عبور أزيد من مليون و460 ألفا و734 مغربيا مقيما بالخارج في الاتجاهين، فيما بلغ عدد العربات 353 ألفا و72 سيارة و4152 حافلة. مؤسسة محمد الخامس للتضامن هي التي تتكفل باستقبال المهاجرين، بتنسيق مع السلطات المحلية والمديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة وغيرها. لكن، رغم هذه الجهود، فإن هناك العديد من الإشكاليات تطرح في التعامل مع الجالية، أبرزها مشكلة المشاركة السياسية، ومشكل حكامة المؤسسات المعنية بالجالية، ومشكل خدمات الإدارة المغربية تجاه المهاجرين.

اهتمام ملكي

العديد من الخطب الملكية ركزت على الاهتمام بالمهاجرين ومشاكلهم، خاصة منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش. ففي خطاب ثورة الملك والشعب وعيد الشباب سنة 2001، أكد الملك ضرورة الاهتمام بالجالية، ودعا إلى تناسق وتكامل عمل المؤسسات المعنية بقضايا المغاربة المهاجرين، وأعلن إصدار توجيهات «قصد إعادة النظر في هياكل ومهام وطرق تسيير مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج»، لكي تجعل في طليعة أعمالها المساعدة في التسوية السريعة للمنازعات الإدارية والقضائية «التي تهم أفراد جاليتنا، ومساعدتهم القانونية على صون حقوقهم وحماية ممتلكاتهم، والتنسيق في ذلك مع السلطات العمومية الوطنية والمحلية». وفي الجانب الثقافي، حث مؤسسة محمد الخامس على السهر على «تعزيز الإشعاع الثقافي الوطني بديار الهجرة، وتعميق التشاور والتشارك مع جمعيات المهاجرين ذات التمثيلية والمشروعية والمصداقية، فاسحين بذلك المجال لما نبتغيه من ضمان مشاركتهم على أعلى مستوى في المؤسسات الوطنية، موفرين أحسن الظروف  لدوام  ارتباطهم  بوطنهم».

وفي خطاب العرش سنة 2004، بدأت تظهر بوادر سياسة المغرب تجاه المهاجرين، حيث أكد الملك أنه، منذ اعتلائه العرش، دعا «إلى سياسة جديدة في مجال الهجرة تساير التحولات البنيوية المتسارعة التي تعرفها جاليتنا بالخارج، وتستجيب لتطلعات مختلف أجيالها وطموحاتها لتنمية المغرب وتحديثه وإشعاعه الخارجي».. سياسة «شمولية متعددة في أبعادها المؤسسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متكاملة ومتناسقة في عمل الأجهزة المكلفة بها، ومتنوعة في صيغ إسهام جاليتنا بالخارج في كل مجالات الحياة الوطنية».

ثم جاء خطاب الملك محمد السادس التاريخي حول المهاجرين وحقوقهم السياسية، الذي ألقاه بمناسبة المسيرة الخضراء في 6 نونبر 2005، معلنا أربعة قرارات مهمة، هي: تمكين المغاربة المقيمين بالخارج من تمثيلهم، عن جدارة واستحقاق، في مجلس النواب، بكيفية ملائمة وواقعية وعقلانية، ووجوب إحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج، «ليتسنى لمواطنينا بالمهجر اختيار نوابهم بالغرفة الأولى للبرلمان»، وتمكين «الأجيال الجديدة من جاليتنا العزيزة من حق التصويت والترشح في الانتخابات على غرار آبائهم، تجسيدا لمبدأ المساواة في المواطنة»، وإحداث مجلس أعلى للجالية المغربية بالخارج، يُشكل بكيفية ديمقراطية وشفافة، وتكفل له كل ضمانات المصداقية والنجاعة والتمثيلية الحقة»، لكن تمكين الجالية من اختيار من يمثلها عبر دوائر في المهجر لم يطبق إلى حد الآن.

وجاء دستور 2011 لينص، صراحة، على حقوق الجالية المغربية، من خلال الفصل 17 الذي نص على أن «يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية»، ونص على أن «يحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي، كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشح، انطلاقا من بلدان الإقامة». ونص الفصل 18 على أن «تعمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج، في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة، التي يحدثها الدستور أو القانون». لكن، حسب صبري لحو، الخبير في القانون الدولي والهجرة، فإنه رغم المجهودات التي يبذلها المغرب، فــــإن «الطمـــــوحات لم تترجم على أرض الواقع»، حتى يتمكن المهاجرون من التمتع بحقوقهم، وأبرزها المشاركة السياسية، إذ «ظل ذلك الحق قيد الانتظار، ومازالت هناك نظرة مناسباتية واحتفالية  إلى  المهاجر المغربي».

ورغم ما تضمنه دستور 2011، فإن خطاب العرش سنة 2015 جاء ليعيد طرح إشكالية التعامل مع الجالية. كان خطابا قويا بمثابة مرافعة لصالح الجالية التي تشتكي القنصليات والإدارة المغربية، فقد دعا الملك إلى الاهتمام بالجالية، وانتقد الصعوبات التي تواجهها في القنصليات والإدارة، قائلا: «لقد وقفت، خلال الزيارات التي أقوم بها إلى الخارج، وعندما ألتقي بعض أفراد جاليتنا بأرض الوطن، على انشغالاتهم الحقيقية وتطلعاتهم المشروعة»، وتحدث الملك صراحة عن الصعوبات التي يواجهها أفراد الجالية ليس فقط داخل المغرب، «بل إن عددا منهم يشتكون، أيضا، مجموعة من المشاكل في تعاملهم مع البعثات القنصلية المغربية في الخارج»، وقال: «قد عبر لي عدد من أبناء الجالية عن استيائهم من سوء المعاملة ببعض القنصليات، ومن ضعف مستوى الخدمات التي تقدمها لهم، سواء من حيث الجودة أو احترام الآجال، أو بعض العراقيل الإدارية»، ودعا وزير الخارجية إلى «ضرورة العمل، بكل حزم، لوضع حد للاختلالات والمشاكل التي تعرفها بعض القنصليات»، داعيا إلى إنهاء مهام كل من يثبت في حقه التقصير أو الاستخفاف بمصالح أفراد الجالية أو إساءة معاملتهم. ومن جهة أخرى، دعا الملك إلى «الحرص على اختيار القناصلة الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والمسؤولية، والالتزام بخدمة أبنائنا بالخارج»، بل إن الملك قال: «إذا لم يتمكنوا من قضاء أغراضهم، فإنه يجب، على الأقل، أن يحسنوا استقبالهم ومعاملتهم بأدب واحترام». وبصفة عامة، يقول الملك، «يتعين تحسين التواصل والتعامل مع أفراد الجالية بالخارج، وتقريب الخدمات منهم، وتبسيط وتحديث المساطر، واحترام كرامتهم وصيانة حقوقهم». وفي الخطاب نفسه، دعا الملك إلى تعزيز مشاركة مغاربة الخارج في الشؤون الوطنية، من خلال تفعيل مقتضيات الدستور المتعلقة بإدماج ممثليهم في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة والديمقراطية التشاركية.

اهتمام   بتأطير الكفاءات لصالح   المغرب

تبلور وزارة الجالية اهتماما خاصا بالكفاءات المغربية في الخارج، من خلال فتح الباب لاستثمارات رجال الأعمال من أبناء الجالية، والاستفادة من خبراتهم، وتنظيم ملتقيات لاستقطاب الكفاءات. ونظمت وزارة الجالية أخيرا لقاء في الصخيرات ضم 100 خبير مغربي من فرنسا تحت شعار: «الابتكار والتكنولوجيات الحديثة.. الفرص المتاحة للمغرب». وأكد عبد الكريم بنعتيق، الوزير المنتدب المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج، في افتتاح اللقاء، أن الهدف منه هو تعبئة خبرة الكفاءات المغربية في فرنسا، وإرساء الروابط والشراكات بين هذه الكفاءات والنظراء بالمغرب، ومواكبة المشاريع الاستثمارية، وتشجيع نقل التكنولوجيا والخبرة. ومن أهداف هذا الانفتاح على الأطر المغربية في الخارج، كذلك، تشجيع هذه الكفاءات على الانتظام داخل شبكات، وتأطير إسهامها في الدفاع عن مصالح المغرب، وإشراكها في توطيد علاقات الشراكة بين مختلف الفاعلين في المغرب وبلدان الإقامة.

 خطر الإرهاب والتشيع

هناك جانب آخر مهم يجعل السلطات تهتم بالمهاجرين، وهو أن الجالية المغربية أصبحت عرضة لتحدي الإرهاب والتشيع المذهبي، ما يجعل السلطات المغربية أكثر حرصا على تأطيرها والاهتمام بها، والتنسيق مع المصالح الأمنية لبلدان الإقامة لمراقبتها، فهناك العديد من المغاربة التحقوا ببؤر التوتر انطلاقا من المهجر. في آخر حوار لعبد الحق الخيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، مع وكالة إيفي الإسبانية، أكد أن المغرب يراقب المهاجرين في أوروبا بتنسيق مع أجهزة الأمن بالدول الأوروبية، بسبب تأثر الشباب المهاجر بالفكر المتطرف. الخيام تحدث عن وجود استراتيجية جديدة لتتبع المغاربة في الخارج، من خلال تبادل البيانات مع المصالح الأمنية الغربية، مؤكدا أهمية ولوج المغرب، عضوا كامل الحقوق، لقواعد البيانات الخاصة بالمكتب الأوروبي للشرطة (يوروبول)، «للوصول بشكل مباشر إلى المعلومات حول جميع هؤلاء الشباب»، الذين يحمل الكثيرون منهم جنسيتين، وهناك مخاوف بشأن اقترابهم من فكر التطرف العنيف. لكن المراقبة لا تكون فقط في الجانب الأمني، إنما أيضا من خلال التأطير الديني والثقافي لأبناء الجالية، عن طريق نشاط المجلس الأعلى الأوروبي، وإرسال الأئمة وأساتذة اللغة العربية للحفاظ على الهوية الثقافية للمغاربة. وتتدخل العديد من المؤسسات في هذا المجال، وتصرف ميزانيات ضخمة على ذلك، لكن لا يوجد تقييم لحصيلة هذا التأطير. 
وبخصوص التشيع، فإنه أصبح ظاهرة في عدد من الدول الأوروبية على الخصوص، وهي ظاهرة مقلقة بالنسبة إلى السلطات المغربية. ففي بلجيكا، مثلا، يصل عدد الشيعة المغاربة إلى حوالي 25 ألف شخص، من أصل حوالي 350 ألف مغربي مقيم هناك. هذا العدد يتطور، والسلطات تكتفي بالمراقبة، لكنها لم يسبق لها أن اعتقلت شيعة مغاربة عند عودتهم إلى المغرب بسبب معتقدهم، لكنها سبق وأعلنت قطاع العلاقات مع إيران سنة 2009 بسبب أنشطتها المذهبية الشيعية في المغرب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.