دراسة.. هــل أثرت علاقة زيان بالنيابـة العامـة علـى طعـن بوعشريــن؟

26 أغسطس 2018 - 09:20

يونس الراوي: باحث في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية

تعتبر المحكمة الدستورية المغربية الجهاز الساهر على مراقبة دستورية القوانين، أي مراقبة احترام المشرع لتراتبية الهرم القانوني وتراتبية تدرج القواعد القانونية من أجل حماية سمو القواعد الدستورية، وتمتلك صلاحية إعادة القوانين رغم اختلاف طبيعتها من أجل إعادة تكييفها مع القواعد الدستورية التي تتمتع بمكانة عليا جراء اعتماد الدساتير الجامدة على مبدأي السمو والتدرج القانوني، رقابة إلزامية أو اختيارية كانت قبل دستور 2011 سياسية سابقة تمارس قبل إصدار القانون لتتحول معه إلى رقابة قضائية بعدية، تقتضي وجوبا وجود نزاع قضائي، وقد نص الدستور في فصله 133 على قاعدة دستورية جديدة أعطت للأفراد ولأول مرة في تاريخ المغرب حق الدفع بعدم دستورية القوانين في قضية تتعلق بالمس بالحقوق والحريات المدسترة، وفق إجراءات وشروط خاصة نصت عليها الفقرة الثانية من الفصل المذكور: “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور. يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل “، رقابة تروم منع صدور نصوص قانونية مخالفة للدستور، وهي وسيلة لحمايته من أي خرق أو اعتداء مع وضع مبدإ سموه على غيره من النصوص الأخرى موضع التطبيق، وهي كذلك عنوان دولة القانون وتعبير عنها.

فصل تبين من خلاله التطور الذي عرفته اختصاصات المحكمة الدستورية، من خلال رقابتها القضائية البعدية، باعتماد تقنية الدفع الفرعي، أي حق الأفراد الدستوري في الطعن في قانون معين مس بالحقوق والحريات الدستورية، اختصاص حصري تمارسه المحكمة الدستورية دون ما سواها من باقي محاكم المملكة بمختلف أنواعها ودرجاتها، لكنها لا يمكن أن تمارسه من تلقاء نفسها.

تأطير الموضوع:

إجراءات ربطها المشرع الدستوري بصدور القانون التنظيمي الذي يؤطر حيثيات ومجالات تطبيق هذا الفصل المستحدث (مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون تطبيقا للفصل 133 من الدستور)، وهو ما أكدته المادة 28 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 بتاريخ 16 من شوال 1435 (13 أغسطس 2014)، حول صدور قانون تنظيمي يحدد شروط وإجراءات الدفع، وبالتالي فعدم صدوره يعيق ممارسة المحكمة لواحد من أهم اختصاصاتها، وهو ما نص عليه منطوق القرار رقم 80.18 الصادر في 27 رمضان 1439 الموافق 12 يونيو 2018 بخصوص الاستجابة للطلب الرامي إلى فحص 
المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية.

تأخر صدور القانون التنظيمي – رغم أهميته القصوى – يضع المؤسسة التشريعية محط انتقاد واسع حول حجم الترسانة التشريعية التي يتم سنها خلال الولايات التشريعية المتعاقبة للمؤسسة، في ظل نص الفصل 86 من الدستور على الآجال اللازم احترامها من أجل المصادقة على مشاريع القوانين التنظيمية، إلا أن هذه الرزنامة الزمنية التي حددت الآجال القصوى التي لا ينبغي تجاوزها أثناء التعامل مع النصوص القانونية لم يتم احترامها في مناسبات عدة، الشيء الذي تتأثر معه حقوق الأفراد، ويضيع معه الزمن التشريعي، مما أثر بشكل مباشر على آليات اشتغال المحكمة الدستورية في ممارستها لهذا الاختصاص، وتعطيل حق الأفراد المنصوص عليه دستوريا لمدة قاربت السبع سنوات على صدور النص الدستوري.

قانون تنظيمي رقم 86.15جرى التداول في مشروعه بالمجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 23 يونيو 2016 طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وتم إيداعه بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب بتاريخ 11 يوليو 2016، ولم يشرع في التداول فيه، من قبل هذا المجلس، إلا بعد مضي عشرة أيام على إيداعه لدى مكتبه، ووافق عليه، في قراءة أولى، في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 8 أغسطس 2017، وبعد ذلك تداول فيه مجلس المستشارين وأدخل تعديلات على بعض مواده، ووافق عليه في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 16 يناير 2018، ثم صادق عليه مجلس النواب نهائيا، في قراءة ثانية، في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 6 فبراير 2018، وأحاله السيد رئيس مجلس النواب على السيد رئيس الحكومة، من أجل إحالته لزوما على المحكمة الدستورية للتحقق من مدى دستوريته، حسب مقتضيات الفصل 132 بإحالته قبل إصدار الأمر بتنفيذه على القضاء الدستوري، حيث أن المحكمة الدستورية أقرت في قرارها رقم 70.18 بتاريخ 6 مارس 2018  بكون بعض مواده غير مطابقة للدستور، مما سيتحتم معه إعادته للمجلس الوزاري والذي بدوره سيرجعه لمجلسي البرلمان من أجل إعادة المناقشة والتعديل والمصادقة بناء على ما جاء في القرار بغية إعادة صياغة المواد اللادستورية، كما أنها حثت المشرع على الإسراع في إخراج القانون التنظيمي تفاديا للفراغ التشريعي وتعطيل أحكام الدستور، الذي ينتج عنه حرمان الأفراد من ممارسة حقهم الدستوري.

الإشكالية والفرضية:

وبالفعل أصدرت المحكمة الدستورية المغربية قرارها رقم 80.18 والمتعلق بهذا الحق الدستوري المستحدث، وهو موضوع القراءة والذي سنحاول التعمق في دراسته والغوص في حيثياته، قرار صرح بتعذر البث في الطلب.

فهل وضعت المحكمة الدستورية نفسها في دائرة مخالفة القانون حين انتظرت صدور القانون التنظيمي؟ وهل ساهم ذلك في تعطيل إمكانية اجتهاد القاضي الدستوري في ممارسة رقابته القضائية البعدية؟ أم أنها ظلت وفية لمنطوق النص الدستوري (ف 133 فقرة 1) والقانون التنظيمي المنظم لها (م 28)، وبالتالي فإن قرارها كان صائبا ودستوريا، في ظل عدم صدور الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي.

القرار والقواعد الدستورية:

أولا، وجب التصريح أنه لا يوجد نص صريح في الدستور أو في القانون التنظيمي المنظم لاختصاصاتها ما يفيد بمنعها من حق البث في انتظار صدور القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، فالفقرة الثانية من الفصل 133 نصت على صدور قانون تنظيمي متمم لعمومية ما جاء في الفقرة الأولى لكنها لم تتحدث عن أي منع لها من ممارسة اختصاصات الفقرة الأولى في انتظار صدوره، وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام القاضي الدستوري من أجل الاجتهاد وتجاوز بعض الانتقادات التي كانت توجه للمجلس الدستوري المغربي في كونه تعامل مع العديد من القضايا بمبدإ عدم الاختصاص، وبالتالي تطوير آليات اشتغال المؤسسة الدستورية، وفق ما تقتضيه حماية الحقوق والحريات.

كما يظهر من ظاهر قرارها هذا أنها مست بمبدإ تراتبية القوانين حينما أعطت الأولوية لصدور قانون تنظيمي والذي هو في مرتبة أدنى من الدستور، وأيضا مست بمبدإ 
سمو الدستور على باقي القوانين.

دراسة حيثيات شكلية الطعن:

وانطلاقا من دراسة حيثيات شكلية الطعن – حتى لا نقول الإحالة – فنسجل أن العريضة المسجلة بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية في 28 مايو 2018، والتي قدمها السيد توفيق بوعشرين، بواسطة دفاعه، إلى السيد الرئيس والسادة أعضاء المحكمة الدستورية، طالبا فيها التصريح بعدم دستورية المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية، لم تحترم حتى الإجراءات المسطرية لإحالة الطعن الواردة فيالقانون التنظيمي في مادته الثالثة التي سمحت بإحالة مباشرة على المحكمة الدستورية بمناسبة البت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان فقط، والتي نصت على أنه يمكن أن يثار هذا الدفع أمام مختلف محاكم المملكة، أو لأول مرة أمام محكمة أول أو ثاني درجة أو محكمة النقض، قبل أن تكون القضية جاهزة للحكم، ووفق شروط وإجراءات محددة في البابين الثاني والثالث من القانون التنظيمي.

تجربة القضاء 
الدستوري المقارن:

وفي ظل عدم إقرار المحكمة الدستورية لدستورية القانون التنظيمي 86.15 المنظم لهذه العملية يمكن الاسترشاد بتجربة القضاء الدستوري المقارن وخصوصا تجربة المجلس الدستوري الفرنسي، الذي ضمن بموجب تعديل 23 يوليوز 2008 والذي يعتبر الأبرز والأهم على الإطلاق في تاريخ هذا الدستور. فلا ريب أن إضافة المادة 61-1 إلى الدستور تمثل العصب الجوهري لهذا التعديل، فقد دخلت هذه المادة حيز النفاذ في الأول من مارس 2010 بعد صدور قانونها التنظيمي في 10-12-2009 وعدد من المراسيم التنفيذية التي تسهل تنفيذها وتبين آلية تطبيقها، وتأتي أهمية هذه المادة من حيث منحها الأفراد – ولأول مرة في التاريخ الدستوري الفرنسي –  الحق في الطعن بدستورية الأحكام التشريعية أمام القضاء مباشرة في نزاع معين إمكانية الدفع بعدم الدستورية في أمور تتعلق بالحقوق والحريات، ولكن وفقا لإجراءات شكلية وجب احترامها لقبول الطعن، حيث أن الدفع لا يتم بشكل مباشر أمام المجلس الدستوري بل يتم رفع الدفع الفرعي إلى محكمة النقض إذا تعلق الأمر بالقضايا المدنية، التجارية، أو الجنائية. أو إلى مجلس الدولة إذا كان للنزاع طابع إداري، دفع يتم بشكل مكتوب يثير نقاش دستورية القانون الذي يمس بالحقوق والحريات الأساسية، ومستقل عن الدعوة الأصلية التي يتوقف البث فيها إلى حين صدور قرار المجلس الدستوري، فتنظر المحكمة التي تلقت الطعن في جدية الطلب وتحليه على محكمة النقض أو مجلس الدولة حسب طبيعة النزاع، اللذان يراقبان ارتباط موضوع الطعن بالمقتضيات التشريعية، ومدى مساسه بالحقوق والحريات فيحيلانه على المجلس الدستوري الذي يعتبر صاحب الاختصاص، مما يجعل من دعوى الطعن فرعية منفصلة عن الدعوى الأصلية، وهو ما يجعل الدعوى الدستورية مجردة وموضوعية ترتبط بمراقبة موضوع القانون ولا علاقة لها بالواقع، في تباين مع تجربة الرقابة في و.م.أ التي لا تنفصل فيها الدعوى الدستورية عن الدعوى الأصلية، مما جعلها دعوى واقعية مرتبطة بواقع تطبيق القانون.

فهل من حق أحد أطراف الدعوة أن يتقدم بالطعن مباشرة لدى المحكمة الدستورية دون احترام الإجراءات الشكلية أو المسطرية؟

طبعا هذا أمر لا نقاش فيه، فهو خطأ مسطري قد يعرض عريضة الطعن لإعدام شكلي دون النظر في طبيعة الموضوع، ولكن الملاحظ أن المحكمة الدستورية في هاته النازلة جانبت الصواب، ووضعت نفسها تحت طائلة مخالفة القانون، حين نظرت في طعن مباشر أحيل عليها – وهو لا يتعلق بمنازعات طعون الانتخابات البرلمانية بل يتعلق بطعن في عدم دستورية قانون هي نفسها أقرت في نفس القرار بتعذر البث فيه، وطبعا فالمانع هنا هو عدم صدور الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي 86.15 – دون احترامه للإجراءات الشكلية والمسطرية المنصوص عليها في مشروع القانون أو القانون المصادق عليه أو حتى في تجارب القضاء الدستوري المقارن.  وهل يحق للمحكمة الدستورية أن تنظر 
في هذا الدفع؟

مبدئيا لا يحق للمحكمة الدستورية أن تنظر في هذا الطعن، أولالعدم احترامه للشكليات التي تستوجب تقديم الدفع بخصوص عدم دستورية قانون إلى المحكمة الدستورية، لأن مشروع القانون التنظيمي لا يجيز لجوء الأفراد إلى تقديمه بشكل مباشر، في ظل غياب القانون التنظيمي، وحتى مشروع القانون التنظيمي الذي صادق عليه البرلمان وأقرت المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مواده، يقر بضرورة احترام إجراءات شكلية.وثانيا لأن الدعوة الأصلية لم تتوقف بل ظلت متواصلة. بل كان الأصح أن يتم أمام المحكمة الأصلية المعروض النزاع أمامها، وحين تنظر في احترامه لإجراءات شكلية منصوص عليها في المادة 5 من القانون التنظيمي المصادق عليه إذا كانت محكمة أول أو ثاني درجة، أو المادتين 5 و11 إذا أثير الطعن لأول مرة أمام محكمة النقض و التي بدورها بعد التحقق منه شكلا وموضوعا تحيله على المحكمة الدستورية وفق آجال محددة، إجراءات مسطرية يترتب عنها توقيف الدعوة الأصلية، والتي ظلت مستمرة في هاته النازلة، فالجلسات ظلت تنعقد باستمرار ودون أي توقف بعد تقديم الطعن (28/05/2018) إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية 80.18 بتاريخ (12/06/2018).

وما دامت المحكمة قد نظرت في الطعن المقدم إليها من حيث الشكل وأجابت المتقدم بالطعن بالأمر بتبليغه بنسخة من قرارها،بل وقيدت نفسها بإصدار القانون التنظيمي، فقد كان من الأولى أيضا النظر في موضوعه، بدل إصدار قرارها بتعذر البت في الطلب.

الإحالة/ الطعن من حيث الموضوع:

من خلال قراءة أولية لنص المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية – بمثابة ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية والصادر في الجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1424 (30 يناير 2003) ص 315، المعدل والمتمم وفق قوانين متعددة –  فهي مادة تندرج ضمن الباب الثاني: قواعد الاختصاص الاستثنائية، الفرع الأول: الحكم في الجنايات أو الجنح المنسوبة لبعض القضاة أو الموظفين، مادة تطرقت لانتساب الفعل الإجرامي لمستشار الملك أو عضو من أعضاء الحكومة…أو قاض بمحكمة النقض…أو رئيس أول لمحكمة استئناف عادية أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها… ونصت على دور الغرفة الجنائية بمحكمة النقض في التحقيق في القضية، وفق إجراءات مسطرية محددة.

وهنا نسجل أن المادة المطعون في دستوريتها، المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية، وفي قراءة متأنية لها يتبين من منطوقها أنها لا تربطها أية علاقة بالنص القانوني الذي يتابع به السيد بوعشرين، والمستمد من القانون المتعلق بالاتجار بالبشر بالإضافة إلى تهم الاغتصاب والتحرش الجنسي، والذي وجد له مكانا في مجموعة النصوص الجنائية، فالمادة 265 لا إشارة فيها لمسألة الاتجار بالبشر، 
أو ما سبق ذكره من تهم.

كما أن الفصل 133 من الدستور والذي أقر حق الطعن في قانون يضر بالحقوق والحريات أثناء نزاع قضائي، لا وجود لأية روابط قانونية بينه وبين المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يثير أكثر من تساؤل حول هذا الدفع وطبيعة المادة المثارة من خلاله.

سؤال موضوع مادة الطعن تمكن معالجته من زاويتن: الأولى نص عريضة الطعن المتقدم بها أمام أنضار المحكمة الدستورية، والثانية السياق التي تم من خلاله التقدم بهذا الطعن.

عريضة الطعن التي تقدم بها دفاع السيد توفيق بوعشرين:

بالعودة إلى عريضة الطعن التي تقدم بها دفاع السيد توفيق بوعشرين الجاعل محل المخابرة معه مكتب الأستاذ النقيب محمد زيان، نجدها تطرقت لحيثيات الاعتقال والإحالة والاتهام، بذكر المقتضيات الاستثنائية التي تمكن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف من الإحالة المباشرة على غرفة الجنايات، وغياب حالة التلبس(المواد 49 و 73 و 419 من قانون المسطرة الجنائية)، كما عرجت على ذكر عدم وجود أي مقرر قضائي للاعتقال الاحتياطي لأن المتهم لم تعرض قضيته على قاضي التحقيق(المادة 608)، وعدم أحقيته في إثارة الدفع بعدم قانونية اعتقاله أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لتصل للمادة موضوع الطعن 265 التي متعت الوكيل العام للملك ونائبه بالامتياز القضائي، وحصرت اختصاص النظر فيما ينسب لهما من مخالفات للقانون الجنائي لدى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض فقط ، عريضة استندت على مجموعة من الفصول الدستورية والتي ضمنت حماية مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية: 6/23/25/28/94/117/118/124/133، واستندت على المواثيق الدولية: المادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما اعتمدت على مجموعة من المواد المدرجة في قانون المسطرة الجنائية: 49/73/177/258/419/608/611.

كما أن نص المادة 265 وتطبيقها من طرف محكمة النقض يمس بالعديد من الحقوق والحريات الأساسية التي ضمنها الدستور للسيد توفيق بوعشرين، لأنها خصت فئة معينة بتمييز استثنائي مما يشكل خرقا لمبدإ المساواة أمام القانون، وتودي 
إلى الحرمان من حق التقاضي.

سياق الطعن:

وأثناء تناولنا للسياق الذي جاء في هذا الطعن يمكن أن نذكر استنادا على عريضة الطعن وانطلاقا من مجموعة من الوقائع المترابطة التي نستشف من خلالها طبيعة التفاعلات التي ربطت علاقة المحامي زيان بمؤسسة النيابة العامة، وهي وقائع عرفت تدافعا قانونيا بين الطرفين باعتماد كل منهما على دفوعاته.

  • 12 مارس 2018: التقدم بشكاية الاعتقال التحكمي ضد المسؤولان القضائيان إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض.
  • 11 أبريل 2018: الغرفة قضت بعدم قبولها، معللة ذلك بكونها ليست مخولة بتلقي هذا النوع من الشكايات مباشرة من الأطراف المشتكية أو محاميهم.
  • 21 مارس 2018: شكاية ثانية في نفس موضوع الاعتقال التعسفي لنفس الغرفة لكن هذه المرة عن طريق السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، والذي قرر حفظها لعدم وجود ما يقتضي إحالة القضية على الغرفة الجنائية لمحكمة النقض.
  • 22 مارس 2018: وجه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إشعارا للمعني بالأمر بالحفظ.
  • 23 مارس 2018: التوصل بإشعار بحفظ الشكاية بالاعتقال التعسفي في شقها المتعلق بمدير سجن عين برجة من طرف السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لقانونية الأمر بالاعتقال الاحتياطي والإيداع بالسجن الصادر عن هذه النيابة العامة بتاريخ 26/02/2018.
  • 04 ماي 2018: دعوى مسجلة أمام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض حول مساس المادة 265 بحقوقه وحرياته التي يضمنها الدستور.

السياق الخارج عن موضوع عريضة الطعن:

كما أنه بالحديث عن السياق الخارج عن موضوع عريضة الطعن، يمكن أن نعرج قليلا على بعض حيثيات القضية التي يتابع فيها السيد توفيق بوعشرين والتي تعتبر في حالتنا هاته هي الدعوى الأصلية، وبالتطرق لتسلسل بعض الأحداث والوقائع يمكن أن نستشف منها بعض الاستنتاجات المهمة:

¬ الخميس 30 نوفمبر 2017: النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء تقدمت بانتداب إلى نظيرتها بالرباط من أجل الاستمتاع إلى المحامي المنتمي إلى هيئة الرباط محمد زيان بعد التصريحات التي صدرت عنه أثناء مجريات محاكمة المتهمين 
على ذمة أحداث الحسيمة.

¬ الثلاثاء 27 فبراير 2018: النقيب محمد زيان يحذر رئيس النيابة العامة ويتهمه بـالشطط ويهدده بالتوقيف، بمناسبة الندوة الصحفية التي نظمتها هيئة دفاع “بوعشرين” مساء اليوم 27 فبراير الجاري بمدينة الرباط.

¬ الجمعة 09 مارس 2018: النقيب محمد زيان توصل باستدعاء لحضور جلسة الأولى لمحاكمته، بعدما عمدت النيابة العامة لتحريك المتابعة ضده بتهمة “التبليغ عن جريمة يعلم بعدم وقوعها”، وحدد الاستدعاء جلسة المثول أمام المحكمة في يوم 23 مارس 2018.

¬ الإثنين 12 مارس 2018: النيابة العامة عرضت أمام الصحافيين بقاعة الاجتماعات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء شريط يعود لعفاف برناني، وهي تقرأ محضر الاستماع إليها من قبل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.

¬ الإثنين 12 مارس 2018: صرح الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بأن محكمة النقض قررت حفظ الشكاية التي تقدم بها دفاع المتهم توفيق بوعشرين ضده بتهمة الزور، لكونها لا تستند على أي أساس قانوني ولعدم وجود أي تزوير، وأوضح أنه تم حفظ الشكاية من قبل الوكيل العام لمحكمة النقض بتاريخ 8 مارس 2018، ووجه إشعار للمشتكي بهذا الخصوص.

¬ الأربعاء 14 مارس 2018: وضع شكايتين أمام رئيس محكمة النقض، ونظر 
الغرفة الجنائية الأولى بها فيهما:

¬ الأولى: تقدمت بها إحدى المصرحات تطعن من خلالها في محضر الاستماع إليها من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. ووضح زيان أن “الأمر يتجاوز النيابة العامة، لأن من يقرر الحفظ أو التحقيق هو الغرفة الجنائية بمحكمة النقض”.

¬ الثانية: سجلها بوعشرين ضد الوكيل العام للملك بالمحكمة الاستئنافية بالدار البيضاء وقام الوكيل العام لدى محكمة النقض بحفظها بعدما توصل بها “عندما يتعلق الأمر بالوكيل العام أو رئيس محكمة فإن الملف يرفع إلى الوكيل العام لمحكمة النقض، الذي يحيله على الغرفة الجنائية بملاحظاته”. 
الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء صرح أن وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، قرر متابعة عفاف برناني بجُنحتي الإهانة ببلاغ كاذب والقذف، بعدما تقدم ضابط الشرطة القضائية بالفرقة الوطنية بشكاية ضدها إلى النيابة العامة. وأوضح أن هذه المتابعة جاءت بعد أن قررت النيابة العامة إحالة الملف على وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، مشيرا إلى أن جلسة المحاكمة حددت يوم 3 أبريل المقبل، وذلك بناء على الفصول 264 و442و444 
من القانون الجنائي.

¬ 11يونيو 2018 : توصل النقيب محمد زيان باستدعاء عن طريق هيئة المحامين بالرباط، من الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط، من أجل الاستماع إليه حول قضية تورط ابنيه في تهمة إخفاء شاهد ودفعه إلى عدم الإدلاء بشهادته وتحقير مقرر قضائي.

¬ الجمعة 22 يونيو 2018: أول جلسة متابعة للنقيب محمد زيان أمام المحكمة الزجرية عين السبع، وتم تأجيل الملف إلى غاية الجمعة 20 يونيو 2018، لإعطاء مهلة للنيابة العامة من أجل الرد على الدفوعات الشكلية والطلبات الأولية. كلها وقائع وحيثيات تجعلنا نستشف طبيعة العلاقة التي تربط السيد النقيب زيان بمؤسسة النيابة العامة، والتي تكون قد أرخت بظلالها على هذا الطعن الذي تقدم به السيد 
زيان أمام المحكمة الدستورية.

إن الفصل 133 من الدستور المغربي ينص صراحة على أن المحكمة الدستورية هي المختصة بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، سواء تم الدفع من قبل أحد أطراف النزاع المعروض أمام محكمة الموضوع وإحالة الدفع الجدي إلى المحكمة الدستورية، أو تم الدفع من أحد أطراف النزاع البرلماني المعروض أمام المحكمة الدستورية،بأن القانون الذي سيطبق في القضية الرائجة أمام هذه المحاكم، يمس بالحقوق 
والحريات التي يضمنها الدستور.

الحيثيات والملتمسات:

استنادا إلى كل هاته الحيثيات اعتبرت عريضة الطعن أن النيابة العامة هي خصم وحكم في نفس الوقت، من خلال حفظ شكاياته الموجهة ضد أشخاص يعملون تحت إمرتها، مما جعله يستنفذ إمكانيات الدفاع عن حقه أمام هيئة قضائية وفقا لما يخوله له الدستور، كما تم حرمانه من حق التقاضي بشأن اعتقاله التعسفي، وتم الاعتداء على حقوقه الدستورية في حرية الرأي وحرية الصحافة، وحرم من حقه في الحرية بدون سند قضائي.

وحيث أن نص المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية وتطبيقها من طرف محكمة النقض يمس بالعديد من الحقوق والحريات التي ضمنها الدستور للسيد بوعشرين، وهي غير مطابقة للدستور وتنتهك مبادئه الأساسية لأنها خصت فئة معينة بتمييز استثنائي في ضرب لمبدإ دستوري هو المساواة أمام القانون (الفصل 6)، وأدت إلى حرمان متهم من حق التقاضي المكفول دستوريا (الفصل 118).

واعتبرت العريضة أن الفصل 133 من الدستور غير معلق على أجل أو شرط، وغير مرتبط بصدور القانون التنظيمي الذي يحدد شروط وإجراءات تطبيقية، لذلك فقد التمس العارض من المحكمة الدستورية القول والحكم بكون المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية غير مطابقة للدستور مع ترتيب كل الآثار القانونية الناتجة عن ذلك.

وهو ما ردت عليه المحكمة في قرارها 80.18 ب:” وحيث إنه، إذا كانت الفقرة الأولى من الفصل المشار إليه خولت للمحكمة الدستورية اختصاص البت في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، فإن الفقرة الثانية منه تجعل ممارسة هذا الاختصاص متوقفا على صدور قانون تنظيمي يحدد شروط وإجراءات الدفع؛وحيث إن ارتباط الفقرتين الواردتين في الفصل 133 المذكور، وعلى عكس ما يدعيه الطاعن، أكدته المادة 28 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، التي جعلت مجال نظر المحكمة المذكورة في كل دفع بعدم دستورية قانون، مرتبطا بصدور قانون تنظيمي يحدد شروطه وإجراءاته؛وحيث إن القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون لم يصدر بعد؛ وحيث إنه، تبعا لذلك، يتعذر على الحال، الاستجابة للطلب الرامي إلى فحص دستورية المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية؛”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.