جســـر جنوى وتدهور البنيات التحتية فــي العالــــم

27 أغسطس 2018 - 08:31

الجسور الأولى التي بناها الإنسان كانت أقرب إلى شجرة مقطوعة على ضفتي نهر. منذ ذلك الوقت، تطورت أساليب البناء كثيرا، منتقلة من الخشب إلى الحجر، ومن الحجر إلى الحديد والصلب. في القرن العشرين، ظهر الإسمنت المسلح. الإسمنت مادة قوية جدا خاصة حين تستخدم مع الصلب (الفولاذ).
غير أن الانهيار المفاجئ لجسر موراندي بجنوى، شمال إيطاليا، مع ما خلفه من خسارة في الأرواح يزيد من مخاوف المهندسين المدنيين من كون كثير من الجسور عبر العالم المبنية بالإسمنت المسلح تتدهور بسرعة تفوق التوقعات.
جسر جنوى يعتمد على تصميم يعرف “بالجسر المعلق بالأسلاك”، ويتعلق هذا النوع من الجسور ببرج أو اثنين تنحدر من قمتها أسلاك متينة تدعم سطح الجسر. وهذا النوع مختلف عن “الجسر المعلق” مثل جسر “غولدن غييت” بسان فرانسيسكو، حيث الأسلاك التي تدعم سطح الجسر تنحدر من سلك أساس أكبر ممتد على طول الجسر. وتستخدم الجسور المعلقة بأسلاك في الغالب للربط بين المسافات القصيرة، فيما تستخدم الجسور المعلقة للربط بين مسافات طويلة.
إحدى سمات الجسور المعلقة بأسلاك أن الأسلاك تمثل شكلا قريبا من مروحة تنحدر من قمة البرج الداعم. إذا تضرر أحد الأسلاك أو تقطع يفترض أن بقية الأسلاك قادرة على الاستمرار في رفع البنيان. جسر موراندي مختلف لأنه كان مدعوما بحبال إسمنتية. حبال مصنوعة من مجموعة من الأسلاك الفولاذية المضغوطة لتولد قوة ضغط والمغطاة بالإسمنت. صمم الجسر المهندس ريكاردو موراندي. عدد قليل من هذا النوع بني في العالم.
وقد شكل هذا الجسر موضوع تخوفات من قبل. الإعلام الإيطالي قال إنه في 2016 أنطونيو برنسيش، المختص في الإسمنت المسلح بجامعة جنوى، وصف الجسر على أنه “إخفاق هندسي”، وأنه عاجلا أم آجلا ينبغي تعويضه. مهندس مدني آخر بجامعة سترات كلايد ببريطانيا اعتبر أنه منذ بناء الجسر عام 1967 ظلت أوتاره تستلزم صيانة ومراقبة دائمتين.
ورغم أن تصميم الجسر غريب نوعا ما، إلا أنه من المبكر معرفة إن كان التصميم هو السبب. ومن نواحي أخرى، جسر موراندي ليس فريدا من نوعه. فعبر العالم الجسور التي بُنيت منذ زمن طويل، خاصة التي تستعمل الإسمنت المسلح تتدهور بسرعة. بل إن دراسة للجمعية الأمريكية لبنائي الطرق والمواصلات صدرت في يناير الماضي تقدم معطيات أكثر فداحة. اعترفت الدراسة أن 54 ألفا و259 جسرا من أصل 612 ألفا و677 جسرا تعاني من “عطب بنيوي”. هذه الجسور التي تعاني مشاكل لديها متوسط أمد حياة 67 سنة وتعبرها المركبات 174 مليون مرة في اليوم. وبالوتيرة الحالية في الترميم والتعويض، سيتطلب إصلاحها 37 عاما، يقول رئيس الجمعية، أليسون بريمو بلاك.
ما الذي أصاب هذه الجسور؟ يعود المشكل أساسا إلى أن الإسمنت أو الفولاذ المستعمل في تعزيزها يمكنه أنه ينهار بعدة طرق. فبإمكان الملح أو الثلج وتقلبات المناخ أن تسبب شقوقا صغيرة في سطح الإسمنت. ومع تعمق هذه الشقوق في الجسر تسمح للماء بالتسرب. وما أن يصل الماء إلى الفولاذ الذي يعزز أوتار الجسر حتى يؤدي إلى تآكلها. وهذا يوسع الشقوق التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار الإسمنت. هناك أسباب أخرى مثل الاهتزازات الناجمة عن ضغط حركة المرور، وازدياد حجم السيارات حاليا، علما أن الجسور بُنيت في وقت كانت السيارات لها أحجام أصغر.
حين كانت الجسور تدشن في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان مهندسوها يعتقدون أنها ستصمد لمائة عام، لكن تدهور الإسمنت المسلح يجعل بعض المهندسين يعتقدون أن متوسط حياة هذه الجسور لن يتجاوز الخمسين 
إلى الستين عاما.
في قلب الحلول الموضوعة اليوم على الطاولة، الاستفادة من منجزات تكنولوجيا البناء التي باتت تضيف مكونات أخرى للإسمنت ومواد البناء تجعلها أكثر صلابة وقوة وصمودا في وجه تقلبات الطبيعة. وفي هذا الصدد، هناك من يراهن على مشاريع الترميم والإصلاح، ومن يراهن على إعادة بناء جسور جديدة مكان القديمة، باعتبار أن تكلفة الترميم أحيانا، قد تضاهي تكلفة بناء جسر جديد. المستقبل وحده سيكشف أي الحلول أفضل من غيرها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.