بعد الاحتجاجات والوضع الاجتماعي المأزوم، الذي أوشك على الانفجار في عدد من المناطق بالمملكة، تسعى وزارة الداخلية إلى احتواء الأزمة، من خلال استهداف الشباب والفئات الهشة في برامجها، حيث أكد عبدالوافي لفتيت، وزير الداخلية، أن التعيينات الجديدة في صفوف العمال والولاة، تمت مراعاة فيها المرحلة التي تعيشها المملكة، والتي تتم فيها مراجعة النموذج التنموي، خصوصا فيما يتعلق بالحد من التفاوتات المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وفي الوقت الذي أكدت المندوبية السامية للتخطيط على أن البطالة في صفوف الشباب في المدن وصلت إلى أكثر من 42 في المائة، شدد لفتيت على أن الأولويات التي يجب أن يشتغل عليها المسؤولون من سلطة محلية ومنتخبين تتعلق بوضع قضايا الشباب في صلب النموذج التنموي الجديد، والتفكير في أنجع السبل للنهوض بأحواله من خلال خلق فرص الشغل المنتج والضامن للكرامة، في أفق إحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار ودعم القطاع الإنتاجي الوطني، وتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها.
وبخصوص اهتمام وزارة الداخلية بالقضايا الاجتماعية ومحاولتها احتواء الأزمة، يرى سعيد بنيس، الباحث في علم الاجتماع، أن الشباب أصبح قنبلة موقوتة إذا لم يتم إدماجهم في محيط صحي.
ويحدد بنيس في حديثه لـ »اليوم24″ عددا من المؤشرات التي تدل على أزمة الشباب، منها « الإحباط المؤسساتي لدى الشباب وبحثهم عن مؤسسات غير منظمة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، بروز مواقع جديدة للاحتجاج، موضحا أن الاحتجاجات الاجتماعية انتقلت من مواقع قارة مثل البرلمان والشوارع الرئيسية، إلى ملاعب كرة القدم.
مؤشر ثالث يرى بنيس أنه يدل على الأزمة هو ارتفاع نسبة الانتحار لدى الشباب، بالإضافة إلى انتشار ثقافة العنف والترهيب داخل الشوارع لدى الشباب، أما المؤشر الأخير، حسب باحث علم الاجتماع، هو عودة الهجرة السرية التي كانت اختفت في السنوات الأخيرة. وفي هذا الصدد، اعتبر المتحدث ذاته أنه الإدماج لن يكن له وقع، إذا لم يتم تحسين المحيط والخدمات الاجتماعية الموجهة لهذه الفئة.
من جهة أخرى، أكد لفتيت الذي كان يتحدث، مساء أول أمس، خلال تعيين والي جهة بني ملال، مخاطبا رجال السلطة، أن تنزيل النموذج التنموي الجديد يفرض في طياته التطبيق الترابي، محليا وجهويا، لمنظومة إصلاحية من ثلاثة مستويات، من بينها النهوض بالأوضاع الاجتماعية، انطلاقا من هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية.
بالإضافة إلى الشق الاجتماعي، شدد وزير الداخلية على الاهتمام بالأمن، حاثا المسؤولين على المحافظة على النظام العام والسهر على أمن وسلامة المواطنين في أرواحهم وممتلكاتهم، باعتبار ذلك يدخل في صلب أولويات والي الجهة، خصوصا عند استحضار ما يتسم به المناخ الدولي والإقليمي من تهديدات إرهابية مستمرة، تستوجب مضاعفة الجهود والرفع من مستوى اليقظة والتزام أقصى درجات الحيطة والحذر، سواء في مواجهة التحديات الإرهابية، أو في محاربة مختلف أنواع الجرائم المهددة للنظام العام. وفي السياق ذاته، دعا لفتيت إلى العمل من أجل إرساء دعائم الجهوية الموسعة، مشيرا إلى أنه بالرغم من النتائج الأولية التي تم تحقيقها، فإن الرهان على هذا المستوى مازال قائما ويحتاج تحقيقه إلى مجهودات كبيرة وانخراط قوي، من طرف كل الفاعلين ليكون الجميع في مستوى اللحظة السياسية التي لا تشكل فيها الجهوية المتقدمة مشروعا مؤسساتيا وتنمويا فحسب، بل هي « تغيير عميق في هياكل الدولة ومقاربة عملية في الحكامة الترابية ».