تجري في المغرب عملية استفزاز متواصلة للمجتمع بغاية إحكام القبضة عليه، منذ أن انخرطت أطراف معروفة، في الانقلاب المفضوح على توجهاته، التي عبّر عنها بمناسبة الانتخابات النيابية للسابع من أكتوبر 2016.
اليوم بعد سنيتن من هذا الحدث، تُظهِر التفاعلات أن المجتمع لم ينسَ ما وقع، ويواصل هو الآخر التعبير عن رفضه للمسار الذي تجري محاولات فرضه عليه وعلى من اختار أن يمثلونه، من خلال ابداء اللامبالاة تُجاه المشهد السياسي المصطنع، والانخراط في أشكال احتجاجية متنوعة، بخلفية سياسية واضحة.
لكن المغاربة لن يكونوا استثناء في التاريخ، وستسري عليهم من دون شك عدد من النظريات المؤطرة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، لأنه في نهاية المطاف لا يمكن أن يقبل « الجميع » باستئثار « البعض » على كل شيء، ولا يمكن أن تستمر العلاقات داخل المجتمع، بين عموم الأفراد ومن يُفترض أنهم يتولون مهمة التوجيه، مبينةً على الانسيابية التي تخلقها أو تفرضها الأنماط الاجتماعية الموروثة، المؤسَّسة على تاريخ أو همّ مشترك، إذا ما كانت فئة قليلة تسيطر وتعاكس بشكل دائم طموحات الجماعة.
لذلك ما يحدث في البلاد يُنبئ بوقوع ارتدادات قوية في العلاقة بين الأفراد وبين أطراف الحكم المختلفة، ولن يوقفها أو يحد من انعكاساتها السلبية، إلا الاشتغال قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، على إعادة التوازن إلى هذه العلاقة، أو إعادة صياغتها وفق نموذج متوافق حوله، يضمن الحد الأدنى من الشعور بمعنى المواطنة التي تُترجَم إلى صبر وتضحية من أجل المصلحة العامة، مع الإحساس بالاطمئنان العام على الحاضر وعلى المستقبل.
إسقاط الخبرة التاريخية على الحالة المغربية، مع مراعاة بعض الخصوصيات التي تميز النسق السياسي المغربي، واستقراء المعطيات المستجدة، يُفيد أن الخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد، يظل ممكنا من خلال ثلاث مسارات، تختلف في الكلفة.
المسار الأول الأكثر كلفة، هو أن يواصل المجتمع تفاعلاته ازاء محاولات ضبطه والتحكم فيه، بعيدا عن نخبه، التي لم يعد يرى أنها تحمل همومه، ويقرر الدفاع عن نفسه دون وساطات مؤسساتية، فتشيع بين أفراده أجواء عدم الثقة في الجميع، والعزوف عن مبادرات السلطة، لدرجة يصبح التعامل معها أو الاستجابة لها، تهمة اجتماعية، ونهاية هذا المسار ليست فيها مصلحة لأي طرف، وتحمل تهديدا بتبديد كل الرصيد، وقد تفتح البلاد على المجهول لا قدّر الله، على الرغم من أن الأساليب المعتمدة في محاولات تزييف وعي المواطنين ومحو ذاكرتهم الجماعية، تجري على قدم وساق، لكن نتائجها غير مضمونة، وتقابل بوعي مضاد يأبى الخضوع، وهو ما كشف عنه تفاعل المواطنين، والشباب على وجه الخصوص، مع حملة مقاطعة بعض المنتوجات، بعد محاولات توجيهها والركوب عليها، وكذا رد فعلهم على الاحكام القضائية التي صدرت في حق نشطاء الريف.
المسار الثاني، يتعلق بالحكومة الحالية، التي لا يمكن إنكار أن خروجها للوجود، شكل المحطة الثانية في إلقاء نتائج الانتخابات في سلة المهملات، على الرغم من الاحتفاظ بالحزب الفائز فيها في موقع الرئاسة كما ينص على ذلك الدستور، غير أن الأغلبية التي تتقاسم معه حقائبها لم تكن في أجندة هذا الحزب، وإنما فُرضت عليه وفق معطيات وسياق، وجب أخذه بعين الاعتبار دون التوقف كثيرا عنده أو جعله نهاية للتاريخ.
المطلوب في هذا المسار الثاني، أن تَحدُث رجة داخل الحكومة، بإجراء تعديل ذا معنى، إما بتقليص عدد الوزراء ومراجعة الهيكلة، على نحوٍ يُفهم منه أن أولوياتها ستتجه إلى خدمة المجتمع، وخاصة فئاته المهمشة، والتخلي عن أولوية دعم الشركات والمقاولات بدون وجه حق، كما هو معمول به حاليا، أو أن يشمل التعديل إعادة النظر في مكوناتها السياسية، بإخراج حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لا يمكن إنكار أيضا أنه شكل عنصر توتر في المشهد السياسي لما بعد 7 أكتوبر 2016.
وهذا المسار ربما يكون مكلفا في مستوى معين داخل الدولة، على اعتبار أن كل ما هو مطلوب فيه، يتطلب استشارات واسعة، وبحث السبل الدستورية الممكنة والمتاحة، لمحاصرة ردود فعل مراكز النفوذ، إلا أن ثماره ستكون لصالح إعادة التوازن إلى العلاقة بين المواطنين وبين الطبقة السياسية ومالكي القرار، وستحدّ من وتيرة تفاعلات المسار الأول، وقد توقفها نهائيا بحسب درجة الجدية في المضي فيه.
المسار الثالث الأقل كلفة لإعادة التوازن بين المجتمع والسلطة، يبدو هو تحمل حزب العدالة والتنمية الحائز على الشرعية الانتخابية في هذه الفترة، والمحتضن حسب نتائج الانتخابات لطموح أغلبية المواطنين، لمسؤوليته في إخراج البلاد من الأزمة قبل استفحالها وتعقدها، خاصة مع تواضع باقي الاحزاب والتنظيمات، وغياب بديل جاهز لحمل مشعل تمثيل أغلبية فئات المجتمع.
حزب العدالة والتنمية، معدو إلى مراجعة ما أقدم عليه من مواقف وقرارات، منذ قبوله بإعفاء أمينه العام السابق من مهمة تشكيل الحكومة سنة 2017، مرورا بالإصرار الغريب على إبعاده من قيادة الحزب بحجج كثيرة، تظهر وهي مجردة عادية وطبيعية، إلا أن السياق السياسي الذي جاء فيه التخلي عنه، يشوش على جدية الحجج، ويُظهره وكأنه انخراط في سيناريو ايقاف المرحلة السياسية، التي تجددت انطلاقتها بعد انتخابات هَزم المجتمع فيها صراحة أدوات وأساليب الضبط والتحكم في النتائج.
المطلوب من هذا الحزب، هو استرجاع قوته ووحدته ورص صفوفه، لمعاودة الوقوف في موقع الدفاع عن المجتمع، وعما كان يسميه أمينه العام السابق الأستاذ عبد الإله بنكيران « التحت »، ومقاومة محاولات « الفوق » للهيمنة والسيطرة، وهذا المطلوب يمكن أن يكون بإحداث رجة داخل الحزب، ولو تطلب الأمر عقد مؤتمر استثنائي لاختيار قيادة جديدة مؤمنة بالأطروحة التي أوصلت الحزب إلى موقعه الانتخابي الحالي، أو تطعيم وتدعيم القيادة الحالية، بما يفيد في إمكانية العودة إلى حضن الجماهير التي ضحت من أجله وتكبدت العناء من أجل التصويت عليه متحدية آلة الإدارة التي اشتغلت ضده.
يظهر إذن أن المسار الثالث، هو المسار الأقل كلفة لإعادة التوازن إلى العلاقة بين المجتمع والدولة في المغرب، وما يزال متاحا أمام حزب العدالة والتنمية أن يبرهن من جديد أنه يعلي من المصلحة الوطنية، على حساب المصلحة الحزبية، ولو أن مصلحة الوطن، فيها مصلحة للحزب أيضا، لذلك على من يعنيهم مستقبل الحزب أن يفكروا بهدوء في هذا الأمر، لكي يساهم الحزب في تجنيب البلاد تفاعلات وأحداث هي في غنى عنها، أو سينتقل تلقائيا إلى خدمة أطراف في السلطة، عوض خدمة المجتمع الذي انطلق منه في بداياته.