خبير: الذين يحتلون مراكز القرار ليست لديهم رؤية واضحة و«فاقد الشيء لا يعطيه»

08/10/2018 - 02:00
خبير: الذين يحتلون مراكز القرار ليست لديهم رؤية واضحة و«فاقد الشيء لا يعطيه»

قال إدريس الفينة، خبير اقتصادي، إن الذين يحتلون مراكز القرار ليست لديهم رؤية واضحة و«فاقد الشيء لا يعطيه».

 شهد المغرب في الآونة الأخيرة حراكا اجتماعيا كان الشباب وقوده الأساسي، ما دفع الدولة إلى اعتماد مقاربات ترمي إلى امتصاص غضب الشارع، بيد أن الأمر مازال على ما هو عليه، في ظل احتقان اجتماعي متنامٍ. أين يكمن الخلل في نظرك؟

الوضع الحالي هو نتيجة تراكم المشاكل عدة سنوات، والتي أضحت اليوم ربما أكثر وضوحا، خصوصا في ما يخص البطالة التي تعصف بفئة واسعة من الشباب، والتي تهم أيضا الفئات العمرية المتقدمة في العمر والتي تجاوزت الأربعين. الوضع الحالي سببه السياسات المتعاقبة التي لم تأخذ بعين الاعتبار التطور الديمغرافي الذي يشهده المغرب، ناهيك عن غياب الفعالية، وغياب برامج دقيقة، وغياب الرؤية لدى القيادات سواء في الحكومة أو في عدد من المؤسسات العمومية المعنية بالتنمية، وهو ما أفرز هذا الوضع.

هل يمكن القول إن المقاربات التي اعتمدت كان هدفها إخماد فتيل الاحتجاجات دون السعي إلى إيجاد حلول على المستوى البعيد، بمعنى أن الدافع الأمني كان هو الأساس؟

المقاربات التي اعتمدت هي مقاربات سطحية نظرا إلى افتقار المسؤولين إلى الفعالية، وغياب تأطير اقتصادي عميق لهذه المبادرات، وهو ما سيحول دون إعطاء هذه المبادرات نتائجها المرجوة، ما سيؤدي، بالتالي، إلى تراكم المشاكل وتضاعفها في المستقبل.

ورد في التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الفوارق الاجتماعية والبطالة في صفوف الشباب تجاوزت الحدود المقبولة. ما تعليقك؟

أحيانا يجري الاختباء وراء بعض المصطلحات الكبيرة، من قبيل النموذج التنموي والفوارق الاجتماعية وغيرها. الفوارق موجودة تاريخيا، وكانت منذ عهد الرومان واليونان، وهو معطى مجتمعي. ما يمكن قوله هنا أن هناك غيابا للجدية وروح المسؤولية والكفاءة لدى عدد من المسؤولين. فالعديد من مواقع المسؤوليات ومواقع اتخاذ القرارات احتلها مسؤولون يستفيدون من الأجور والامتيازات. أتمنى أن تتاح لهؤلاء المغادرة الطوعية، وأن يتركوا البلاد وشأنها، ويفسحوا المجال لمن هو قادر على اتخاذ القرارات الحاسمة.

   مثل ماذا؟ أي مناصب تقصد هنا؟

عدد من الوزراء اليوم غائبون تماما، علما أنهم يشرفون على قطاعات استراتيجية، ولا نعلم ماذا يفعلون فيها، ويكتفون بتسويق أخبار لوسائل الإعلام على أساس أنهم يشتغلون، وهم أصلا لا يفعلون شيئا. عدد من المواقع القادرة على تحريك الاستثمار احتلها هؤلاء، علما أن المغرب في حاجة إلى الاستثمار. وكمثال على ذلك، هناك وزير الصناعة الذي يقدم أرقاما غير صحيحة، حيث ليست هنالك مؤشرات عملية تفيد فعلا بتفعيل برنامج التسريع الصناعي الذي يفترض أن يعتمده المغرب في التشغيل. القطاعات المنتجة هي التي تشغل، أين هي القطاعات المنتجة اليوم في المغرب؟ كل القطاعات المنتجة ميتة ولا تملك رؤية واضحة، مثل السياحة والصناعة التقليدية والفلاحة والصناعة. أرقام المندوبية السامية للتخطيط تفيد بأن المناصب التي يجري خلقها يندى لها الجبين وضعيفة جدا. وعلى هؤلاء الذين يقولون إن لديهم استراتيجيات وسياسات أن يقدموا لنا أرقاما حول مدى تنفيذ هذه الاستراتيجيات بعد الإمكانيات المادية الهائلة التي وفرتها لهم الدولة.

    هل يمكن القول إن المشكل يكمن أساسا في غياب رغبة سياسية؟

الأمر يتعلق بغياب الكفاءة، فالذين يحتلون مواقع القرار ليست لديهم رؤية واضحة، ففاقد الشيء لا يعطيه. هؤلاء غالبا ما يكونون مدفوعين من طرف جهات معينة في إطار الريع الحزبي والسياسي وصناديق الاقتراع التي أفرزت لنا أحزابا ليس لديها أي شيء تقدمه للبلد.

   ماذا عن النموذج التنموي الذي حمله البعض المسؤولية لأنه فشل، حسبهم، في تحقيق المراد، وبالتالي، المناداة باعتماد نموذج جديد؟

المغرب ليس لديه مشكل في النموذج التنموي، من يقول إن النموذج التنموي فيه مشكل يريد في الحقيقة تضييع المزيد من الوقت. النموذج التنموي يبنى على مدى 50 عاما، والمغرب منذ الاستقلال وهو يبني نموذجه، وبالتالي، لا يمكن القول إننا سنعتمد نموذجا تنمويا جديدا، فهذه أكبر مغالطة. كل الدول تتحرك بتراكمات صغيرة وإجراءات متتالية تعطي ثمارا حقيقية.

   هل يكمن المشكل في تنزيل هذا النموذج؟

فعلا، فعلى سبيل المثال، الجماعات المحلية اليوم مسؤوليتها صورية في المغرب لأن هنالك رغبة في أن تبقى هذه الجماعات صغيرة وتحت وصاية دائمة، في حين أن الجماعات المحلية في دول أخرى تلعب دورا كبيرا في التنمية المحلية. في المغرب تعطى هذه الجماعات أدوار ا بسيطة وميزانيات ضعيفة، ولن تتطور لأنه أساسا من يشرف عليها دون المستوى وبميزانيات دون المستوى. الوضع هنا مختل محليا. على الصعيد الإقليمي، هنالك العديد من عمال الأقاليم الذين لا يملكون منظورا تنمويا للمنطقة. وينطبق الشيء نفسه على الجهة، فنحن نتحدث عن الجهوية المتقدمة كحلم وكمبتغى فقط دون تفعيل حقيقي. إذن، من يريد أن يوهمنا بأن هناك مشكلا في النموذج التنموي، فهو مخطئ، فالمشكل يكمن في الحكامة في مختلف القطاعات.

أمام هذا الوضع، هل ينذر الواقع بأزمات اجتماعية أكثر حدة في الأيام المقبلة؟

لا أتمنى أن نصل إلى هذا الوضع، وأتمنى في المقابل أن نجد حلولا سريعة وممكنة. توجد العديد من الحلول لتطوير البلد، لكن علينا أولا تجاوز مشكل المسؤولين الذين لا تتوفر فيهم شروط الكفاءة، والذين يعطلون آلية التطور.

شارك المقال