المقال الأخير!

22 أكتوبر 2018 - 14:41

لازال العالم يتابع أطوار أغبى عملية اختطاف واغتيال في التاريخ المعاصر، يتعلق الأمر باختطاف والاغتيال المحتمل للصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي رفض دائما تصنيف نفسه كمعارض للنظام القائم في السعودية، وهو الرجل الذي خَبِر دهاليز السلطة وأجهزة المخابرات والقنوات الدبلوماسية لبلاده، وكان أحد الوجوه البارزة التي راهنت عليها السعودية بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر سنة 2001 لتقديم صورة جديدة عن السعودية تبعد عنها صورة تمويل الإرهاب والتطرف في العالم. وقد كان خاشقجي بشخصيته الهادئة وخلفيته الثقافية والفكرية الليبرالية، ناجحا في القيام بتلك المهمة، رغم ما يكتنفها من صعوبات وتعقيدات؛ لكن الأهم من ذلك أن جمال استطاع أن يخلق شبكة علاقات واسعة في الغرب نتيجة سنوات عمله بين لندن وواشنطن. النظام السعودي بعد التغيرات الجذرية التي عرفها نظام توريث العرش والاندفاع الكبير لولي العهد الحالي محمد بن سلمان، ورهانه الكبير على حماية الرئيس الأمريكي المثير للجدل دونالد ترامب، لم يعد يستطيع قبول سماع أكثر الأصوات اعتدالا، والتي نبهت للمخاطر التي تحيط بالمملكة نتيجة الممارسات الرعناء التي تم الإقدام عليها تحت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، في بنية هشة قامت لسنوات طويلة على الفساد بأشكاله المختلفة، وكان جمال خاشقجي أحد تلك الأصوات المعتدلة التي ضاق بها صدر الحاكم المطلق الجديد في السعودية، فكان مصيره المؤلم في اسطنمبول عبر أغبى عملية استخباراتية في العالم، صارت معها الأجهزة الأمنية في السعودية مثار سخرية في العالم.

كانت الحرية الشغل الشاغل لجمال في أيامه الأخيرة، ومن غريب الصدف أن يكون آخر ما خطه قلمه يدور حول وضع وأفق الحرية في العالم العربي، إذ ركز جمال خاشقجي في مقاله الأخير، الذي نشرته “الواشنطن بوست” تحت عنوان: “أمس ما يحتاجه العالم العربي هو حرية التعبير”، على أربعة قضايا رئيسة تسم الحالة التي يوجد عليها العالم العربي، القضية الأول تتمثل في واقع يكشف أن العالم العربي؛ باستثناء تونس التي صنفت “حرة”، حسب آخر تصنيف لحرية الصحافة من قبل مؤسسة “فريدوم هاوس” والأردن والمغرب و الكويت المصنفة “حرة جزئيا”، فإن باقي بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط تعيش حالة من التضليل الإعلامي العام، الذي تقوده أنظمة سلطوية تحجب المعلومات وتصنع أخبارها على شاكلة الأخ الأكبر في رواية “1984” لجورج أورويل، وهو ما يجعل شعوبا كثيرة في المنطقة معزولة عمليا عما يجري في العالم، بما يحقق الاستدامة للسلطوية وينفخ في رماد ثورات مكتومة أو مغدورة. القضية الثانية، هي خيبة الأمل من مآلات الربيع العربي الذي تحول في جزء كبير منه إلى انتكاسات أكثر خطورة وسوءا من الوضع الذي كان قبل 2011، بشكل جاء معاكسا تماما للتفاؤل الذي ساد المنطقة ببزوغ عهد جديد من الحرية والديمقراطية، كما كانت تنشر في كتابات أكاديميين وصحافيين وسياسيين متفائلين. الانتكاسات التي حدثت كانت في جزء منها نتيجة صمت العالم الحر عن المسار الذي أخذته الأحداث، أو بمعنى آخر، وهو ما لم يكتبه خاشقجي، أن شعوب المنطقة تعرضت للغدر من قبل الأنظمة الغربية التي قدمت نفسها دائما على أنها حاملة لمشروع الحرية والديمقراطية. القضية الثالثة، التي أكد عليها جمال خاشقجي، هي ضرورة توفر العالم العربي بصورة استعجالية على منتدى أو منصة للأصوات الحرة في المنطقة تكشف الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الحقيقي في المنطقة، بما يمكن الشعوب من الإطلاع على واقع بلدانها بعيدا عن الحكومات التي تنشر الكراهية، ما يمكِّن من معالجة المشكلات البنيوية لتلك الدول.

لازال مصير جمال خاشقجي مجهولا إلى حدود كتابة هذه السطور، لكن الأكيد أن الحرية في منطقتنا لازالت تعاني، وستعاني بعد مقاله الأخير…

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.