في يوم امتزج فيه الأمل بالدعاء...المحكمة تدين بو عشرين وتغتال أحلام شعب اقتنع ببراءته!

10 نوفمبر 2018 - 18:00

وأخيرا، قالت المحكمة كلمتها- إن كانت، فعلا، كلمتها- وصدر حكم قاس، صادم، ومؤلم ضد الصحافي توفيق بوعشرين. حكم أدار ظهره لكل النداءات الحكيمة ولكل القوى الحية في البلاد. حكم أدار ظهره لمثقفين وحقوقيين وسياسيين وصحافيين. أدار ظهره لعلمانيين وإسلاميين. أدار ظهره لشريفات وشرفاء لا يمكن أن يغامروا بنزاهتهم وبرصيدهم الفكري والنضالي، لمؤازرة رجل لو أنهم علموا بأنه، فقط، أهان امرأة بعبارة غير لائقة، فكيف يؤازروه لو تبين لهم أنه مغتصب ومتاجر في البشر، وما إلى ذلك من التهم التي لا يقبلها عاقل، كما قال رئيس الحكومة السابق عبدالإله بنكيران.

لقد خرج خيرة أبناء هذا الوطن، وأغلبهم يخالفون توفيق بوعشرين الرأي والقناعة، وصرخوا في وجه مهندس هذا الملف: رفقا بصحافي متزن.. رفقا بوطن محتقن. لكن هيهات، فكلمة المحكمة – إن كانت، فعلا، كلمتها- ذهبت ضد إرادة الجميع، وأدانت توفيق بوعشرين بـ12 سنة سجنا نافذا، ولسان حالها -إن كان لها، فعلا، لسان حال- يقول: هذا ملف طويناه، أما القضية فلا تعنينا. ولا يهمنا أننا بهذا الحكم نوقع إلى جانب رجل السلطة الذي تزعجه قضية الصحافة المستقلة كما تؤرقه قضية استقلال القضاء، على خطة خنق حرية الرأي والتعبير، وإقبار الصحافة النقدية المستقلة، وإخراس أبرز رموز هذا النوع من الصحافة، الصحافي توفيق بوعشرين، وإلى جانب هذا وذاك تقديم هدية إلى خصوم المغرب ليشنعوا بنا في المحافل الدولية. ومثلما يطلقون العنان لخيالهم الحاقد ليقارن بيننا وبين إسرائيل، سيطلقونه ليقارنوننا بالدول التي تغتال صحافييها، ماديا أو رمزيا، ويقولون: أولائك يذيبون صحافييهم في أسيد الهيدروفلوريك، وهؤلاء يذيبونهم في أسيد إشاعة الاتجار بالبشر.

لقد كان القاضي المحترم جعفر حسون يقول إن القضاء في المغرب ينظر إلى قضايا الناس على أنها ملفات، فيقول: ملف عدد كذا، بينما كنت أنا أصر على أن أقول: قضية عدد كذا، لأنني كنت أعرف أن الناس يريدون من القاضي أن يهتم بقضاياهم لا أن يفتح لهم ملفات تحمل أرقاما ثم يطويها. إن ما قامت به محكمة الاستيناف بالدار البيضاء، منذ الاعتقال التحكمي اللاقانوني لتوفيق بوعشرين، وما تلاه من مساطر مخالفة للقانون، هو اختزال هذه القضية إلى مجرد ملف كانت تسارع الزمن وتطوي المراحل، من قبيل القفز على إحالته على قاضي التحقيق، لإيصال الملف إلى حيث أريد لها أن توصله. وها قد استطاعت أن تقفله ابتدائيا، فهل نجحت في إقناع المغاربة بأن قضية اعتقال ومحاكمة توفيق بوعشرين هي قضية ذات طبيعة أخلاقية؟ بالتأكيد لا، ومن يشكك في هذا الأمر فليقم بجولة على مواقع التواصل الاجتماعي ليرى بأم عينيه تعليقات الأغلبية الساحقة من المغاربة على ما يُنشر في هذه القضية، وكيف أن تلك التعليقات بقدر ما تؤكد مظلومية توفيق بوعشرين و”مخدومية” هذا الملف، تزيد من تعميق هوة اللاثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية وعلى رأسها القضاء. لقد أصدر الشعب حكمه ببراءة بوعشرين، منذ تهاوت صكوك اتهامه وتهافتت تصريحات طابور المحامين الذين تم “توكيلهم” للصراخ في وجهه، ثم الهرولة نحو كاميرات الصحافة لإدانته قبل حتى أن يدينه القضاء.

ختاما، هل نجح الحكم القاسي ضد توفيق بوعشرين في حل إشكالية قضية اعتقاله التحكمي اللاقانوني، التي سينظر فيها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، نهاية الشهر الجاري؟ لا، لم ينجح في ذلك، لأن الأحكام النافذة بالسجن لا مفعول لها قبل انقضاء مراحل الاستئناف والنقض، فالمادة 398 من المسطرة الجنائية تمنع تنفيذ عقوبة الحبس أو السجن النافذ الصادر ضد المتهم، داخل أجل استئناف هذا الحكم وأثناء سريان مسطرة استئنافه، كما أن المادة 532 من المسطرة ذاتها تمنع تنفيذ العقوبة الجنائية داخل أجل الطعن بالنقض وأثناء الطعن بالنقض، وبالتالي، فإن توفيق بوعشرين لايزال يقبع في سجن عين البرجة بمقتضى أمر بالإيداع في السجن غير محدود المدة، صادر- بشكل غير قانوني- عن السيد جمال الزنوري، نائب الوكيل العام للملك، وهو ما لا يمكن اعتباره موافقا لسندات الاعتقال القانونية المنصوص عليها في المادة 608 من المسطرة الجنائية التي تنص صراحة على أنه لا يمكن حرمان شخص من حريته إلا بمقتضى سند صادر عن السلطة القضائية يأمر باعتقاله احتياطيا، أو بناء على سند يأمر بتنفيذ مقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، صادر عن هيئة قضائية يقضي عليه بعقوبة السجن أو الحبس أو الاعتقال أو الإكراه البدني.

لقد أصبحت هذه القضية مثل ذلك الحيوان الأسطوري الذي كلما سال دمه، خرجت منه جراء شرسة تنفث النار في وجه خالقها. لذلك، لا حل لها إلى بمواءمة حكم القضاء مع حكم الشعب، وتبرئة توفيق بوعشرين.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

abdelkhalek منذ 3 سنوات

هذه هي دولة الحق والقانون الذي تتغنى بها قنوات الصرف الصحي، أليس بينهم رجل رشيد ؟؟؟؟؟ لك الله ياوطني

القعقاع منذ 3 سنوات

هذه بداية نهاية التحكم !! حذار حذار من غضبي!!

بوعشرين منذ 3 سنوات

حسبنا الله ونعم الوكيل، عجب لأمر هؤلاء الذين يستحمرون عقول الناس،وحكموا على توفيق الصحفي الذي لا يتوافق ولا يوافق خطه التحريري ما يحلوا لهم عادة أن تقول عنهم الصحافة، حكما ب 12 سنة قاسية قساوة قلوبهم على شرفاء كل الأمة،الإتجار بالبشر؟الإغتصاب؟ما أغباكم ياسفلة فكلكم إلا من رحم الله وهم قلة تتجرون في أعراض المغاربة فالزنا والفساد والنهب والعكرة وو...ما لا حد له هوايتكم المفضلة فكيف تريدون أن يصدقكم الغافلون والبلهاء ناهيك عن العقلاء والنبهاء فيما ألسقتموه ببوعشرين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟رجائي ملحا الحاحا شديدا على الضغط بكل الوسائل لسحب من كل مسؤول كبير مقرّر في سياسة البلاد جنسيته الأجنبية بنص قانوني ينشر على الفور كسرعتهم في تقرير الساعة الصيفية وأظنه الحل الأقرب لإبعاد هؤلاء السفلة مصاصي الدماء من ساحة هذا المغرب الحبيب.

طاق ابن زياد منذ 3 سنوات

اقول للدولة العميقة لا تغتروا بجبروتكم وتسلطكم على رقاب الشرفاء،إتعضوا قبل فوات الاوان تراجعوا عن غيكم،ولكم في قضية خاجقجي عبرة إن كنتم تحسون،الانفجار قريب لا تغتروا.

مراد منذ 3 سنوات

الله الله بهذا الشعب بلغ السيل الزبا الظلم ظلمات يا مغربا يأكل خيرة أبناءه