رافعا شارة النصر، مبتسما، تلقى الصحافي توفيق بوعشرين الحكم الصادر في حقه في جنح الظلام من ليلة السبت 10 نونبر الجاري. كان الحكم الذي تلاه القاضي، بوشعيب فارح، “صادما وقاسيا” إذ بلغ 12 سنة سجنا نافذا ومئات الآلاف من الدراهم، ما خلّف صدمة واسعة، جعلت أقوى المشككين في براءته يقتنعون بأن القضية سياسية، وراءها الرغبة العارمة في الانتقام من صحافي مستقل.

لم يسبق لصحافي أن أدين بمثل ما أدين به بوعشرين، والنتيجة أن الحكم كان الرصاصة الأخيرة التي أنهت شكوك البعض بأن وراء القضية رغبة عارمة في “الاغتيال المعنوي”. لكن يمكن القول أيضا إنه بين يوم الجمعة 23 فبراير 2018، تاريخ اعتقاله، و10 نونبر 2018 تاريخ النطق بالحكم في حقه، هناك قصة صمود لصحافي فضح الكثير من التلاعبات والخروقات والانتهاكات التي جعلت منظمة دولية وازنة مثل “مراسلون بلا حدود”، تقول تعليقا على الحكم صباح يوم السبت الماضي إن إجراءات المحاكمة “لا تسمح باستبعاد فرضية أن هذه القضية قد تم افتعالها أو على الأقل استغلالها لتشويه سمعة صحافي”.

صدمة حكم قاس

حكم وصفه إسماعيل العلوي، زعيم حزب التقدم والاشتراكية، بأنه “حكم قاس فيه تحامل على صحافي”، واستغرب امحمد الخليفة، قيادي استقلالي ووزير سابق ومحام أن “يصدر حكم بهذه القسوة باسم الملك وباسم القانون”. وأكد الحكم لآخرين “توظيف القضاء للانتقام من صحافي”، كما ذهب إلى ذلك السياسي المعروف عبدالعزيز أفتاتي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية.

فالحكم الذي تلاه القاضي، بوشعيب فارح، على مسامع من حضروا جلسة النطق بالحكم في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ومن خلالهم الرأي العام الوطني والدولي، بلغ 12 سنة سجنا نافذا، مشفوعة بغرامة مالية قدرها 20 مليون سنتيم، إضافة إلى تعويضات للمشتكيات وللمطالبات بالحق المدني بلغت في المجموع 170 مليون سنتيم. على خلفية تهم “خيالية” تتعلق بالاتجار بالبشر واستغلال السلطة لأغراض جنسية؟!

منظمة “مراسلون بلا حدود” علّقت على الحكم الصادر بالقول إنها “تدين هذا الحكم الذي يلفه الغموض”، وقالت في بلاغ لها عقب صدور الحكم إن قضية بوعشرين “تظهر رغبة في شنّ تصعيد قضائي ضد صحافي كان بنشاطه المهني قد تسبب له أصلا في العديد من المشاكل مع السلطة”. واعتبرت أن الطريقة التي سارت بها إجراءات المحاكمة لا تسمح باستبعاد فرضية أن هذه القضية قد تم افتعالها أو على الأقل استغلالها لتشويه سمعة صحافي”.

وكتب عبدالله حمودي، المفكر والأنتروبولوجي، في رسالة مفتوحة إلى بوعشرين في سجنه بعين برجة “لقد سقط الحكم الغريب في ساعة متأخرة من الليل، في الساعة نفسها التي تبدأ فيها الكلاب الضالة تجوب شوارع مدننا، وفي اللحظة نفسها التي يكون فيها المشردون والمتسكعون في الأزمة نفسها يعانون من قشعريرة البرد ويسري في عظامهم بؤس الرطوبة. كن واثقا، فلن ننسى انتهاكات القواعد القانونية والأخلاق التي فضحها دفاعك وتجاهلتها المحكمة”.

ما خلصت إليه منظمة “مراسلون بلا حدود” بأن قضية بوعشرين قد تكون مفتعلة، تؤكدها الوقائع المتتالية في محاكمة “لم يسبق لها مثيل”، كما أكد ذلك النقيب والحقوقي عبداللطيف بوعشرين. الخروقات توالت منذ لحظة توقيفه في مكتبه بمقر جريدة “أخبار اليوم” يوم 23 فبراير 2018. حوالي الساعة 17.05، اقتحم مقر الجريدة “كوموندو” أمني يتكون من 40 رجل أمن، كان على رأسهم رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، هشام باعلي.

صُنع تهمة جاهزة

أوقف “الكوموندو” بوعشرين خارج مكتبه متوجها من مصعد عمارة “الأحباس” نحو سيارته، فأعيد إلى مقر الجريدة، وبمجرد دخوله مكتبه طلب رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تفقد باقي المكاتب، كانت تلك لعبة، ذلك أنه حين “رجعنا كانت المفاجأة، لقد وجدنا أن العناصر الأمنية التي تركها خلفه، قد وضعت فوق مكتبي فيديوهات – قرص صلب– وDVR وكاميرات في مكتبي لمواجهتي بها”، يقول بوعشرين في أول مرافعة له أمام المحكمة.

عبدالصمد الإدريسي، محامي بوعشرين، اعتبر أن اقتحام مقر “أخبار اليوم” تم “خارج القانون”، وأضاف “لقد دخلوا إلى مكتب بوعشرين بدون إذن كتابي صريح، وبدون قبول مكتوب منه، ولم يتم حجز المحجوزات أمام بوعشرين، بل فوجئ بها أمامه، وحين تمت مواجهته بها نفى أن تكون في ملكيته أو ملكية الجريدة، وأكد منذ اليوم الأول أنها تقنيات دسّت له في مكتبه، وقد رفض بموجب ذلك التوقيع على محضر الحجز، وعلى محضر التفتيش”.

لم يلمس بوعشرين تلك التجهيزات، طلب حضور مراد معبير، مسؤول المعدات التقنية في الجريدة، “لقد ألهمني الله أن ناديت على مراد، الذي يتكلف بكل ما هو تقني وإلكتروني، وسألته أمامهم: هل سبق له أن رأى هذه المعدات في مكتبي فنفى، وقال بالحرف: “هذه أول مرة أرى هذه الأجهزة هنا”. هذا في الوقت الذي سارع أفراد الفرقة الوطنية إلى كتابة محضر للمحجوزات، دون رفع البصمات عنها، وهو أول خرق فادح تم ارتكابه، وأصرّت المحكمة خلال أطوار المحاكمة على عدم التحقق منه.

اقتيد بوعشرين إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، دون أن يعلم التهمة الموجّهة له على خلاف ما يقوله القانون، بينما سرى خبر توقيفه كالنار في الهشيم وسط الرأي العام ومواقع التواصل الاجتماعي، وعمّت الصدمة الجسم الصحافي والسياسي، ما جعل بعض الحقوقيين ينتقدون اعتقال شخص دون الكشف عن التهم الموجهة له. ما دفع النيابة العامة إلى نشر بلاغ تحدث عن شكايات ضد بوعشرين، دون أن الكشف عن مضمونها بحجة “ضمان مصلحة البحث وحفاظا على سريته وصونا لقرينة البراءة”.

بينما كان بوعشرين في مقر الفرقة، تقاطر إلى بوابتها صحافيون وحقوقيون ومحامون للاحتجاج والمطالبة بمعرفة أسباب الاعتقال، لكن دون جدوى. وأمام ذلك، تناسلت الإشاعات، خصوصا من قبل المواقع “الإلكترونية” المقربة من أجهزة معينة، التي روّجت أول الأمر أن بوعشرين موقوف من أجل التحقيق معه في ملف “تمويل أجنبي”، ثم عادت وتحدثت عن تحقيق في شكايات ضده تتعلق بـ”اغتصاب جنسي”.

تهمة الجنس إذن، روّجت في الإعلام قبل أن تصدر في بلاغ رسمي للنيابة العامة، وتزامن نشره مع شروع ضباط الفرقة الوطنية استدعاء مجموعة من النساء، منهن صحافيات يعملن في “أخبار اليوم”، وموقعي “اليوم 24″، و”سلطانة”، وصحافيات من خارج هذه المؤسسات، ونساء أخريات خارج المهنة. في تلك الأثناء، بدأ الحديث عن “فيديوهات جنسية”، تُواجه بها سيدات، منهن متزوجات، بعضهن أغمي عليهن من شدة الصدمة وتحولن إلى مشتكيات ضد بوعشرين، وبعضهن رفضن اللعبة من بدايتها، ما طرح أسئلة كبيرة.

أما دفاع بوعشرين فلم يُسمح له بزيارته أثناء التوقيف لدى الفرقة الوطنية طيلة الفترة الأولى من الحراسة النظرية، إلى حين مرور 48 ساعة هي مدة الحراسة النظرية، انتهت حوالي الساعة الخامسة من يوم الأحد 25 فبراير2018، قبل أن تطلب الفرقة الوطنية تمديدها 24 ساعة إضافية بحجة إتمام البحث. يومها زار المحامون بوعشرين لدى الفرقة لأول مرة، وتكونت لدى بعضهم قناعة سريعة بأن محاكمة بوعشرين “ستكون محاكمة القرن”، على حد قول المحامي عبدالصمد الإدريسي.

ومع توالي الأحداث، ظهر أن توقيف بوعشرين استند إلى ثلاث شكايات، الأولى كانت مجهولة المصدر وُضعت يوم 12 فبراير 2018، وكشف المحامي عبدالصمد الإدريسي أنها “شكاية مجهولة، وغير موقعة أيضا”، قدمت إلى الوكيل العام للملك. وفي يوم 16 فبراير تقدمت نعيمة الحروري بشكاية موضوعها “الاغتصاب والابتزاز”. وفي 22 فبراير تقدمت خلود جابري بشكاية، أيضا، موضوعها “الاستغلال الجنسي”. وفي يوم 23 فبراير ذهبت الفرقة الوطنية لاعتقال بوعشرين، كما سبقت الإشارة.

أحيل بوعشرين على الوكيل العام للملك من قبل الفرقة الوطنية يوم 26 فبراير، و”بينما كان يقرأ محضر الشرطة القضائية قبل التوقيع عليه، صدر صك الاتهام عن الوكيل العام للملك”، يقول المحامي الإدريسي، كان صكّا ثقيلا بتهم “خيالية تصل عقوبتها إلى 20 سنة سجنا نافذا، على رأسها الاتجار في البشر، والاستغلال الجنسي، وتهم ثقيلة أخرى.

استندت النيابة العامة على عنصرين اثنين في توجيه الاتهام لبوعشرين: الأول 14 امرأة من قبل النيابة العامة على أنهن ضحايا الأفعال المنسوبة إلى المتهم، والثاني 50 تسجيل فيديو، يتضمن لقطات ومشاهد جنسية، مدتها جميعا ما يناهز 15 ساعة. قرار الاتهام ذاك أحدث صدمة كبرى في الأوساط الحقوقية والسياسية، لأنه لم يدر في خلد أحد أن الصحافي بوعشرين سيُحاكم بقانون الاتجار بالبشر، بدل عصابات التهريب والجماعات الإرهابية.

وهكذا استطاع “مهندس” الملف أن يصدم الرأي العام خلال الأيام الأولى، وأن يدفع بعضا من الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين إلى الصمت، فيما أطلق آخرون العنان لألسنتهم وأقلامهم للتشهير والتنكيل بمتهم يُفترض أنه بريء حتى تتم إدانته، مستعينين في ذلك بالإعلام العمومي، وبلاغات متتالية للنيابة العامة، فضلا عن ندوات وحوارات صحافية في انتهاك صريح للمادة 303 من المسطرة الجنائية التي تمنع كل ذلك، وتأكد مرة أخرى أن الغاية من القضية هي الاغتيال المعنوي لصحافي مزعج للسلطة، وليس أي شيء آخر.

الاعتقال التحكمي

وُضع بوعشرين رهن الاعتقال التعسفي في سجن عين برجة منذ 26 فبراير، بناء على أمر بسيط بالإيداع في السجن صادر عن الوكيل العام للملك بالدار البيضاء لمدة غير محددة، على خلاف ما ينص عليه القانون. وكان مثيرا، أيضا، أن هيئة دفاعه لم تطلب إخلاء سبيله، ومتابعته في حالة سراح، لأنه سيتبين لاحقا أن قرار الاعتقال ككل تم خارج القانون، وأن بوعشرين ظل معتقلا طيلة أشهر محاكمته اعتقالا تحكميا، ما استوجب من دفاع بوعشرين القيام بخطوتين: الأولى، إشعار مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة بواقعة الاعتقال التعسفي. والثانية الطعن في المادة 265 من المسطرة الجنائية لأنها تحول دون ملاحقة الوكيل العام للملك أمام القضاء.

النقيب محمد زيان برّر تلك الخطوة، التي شكلت سابقة في تاريخ القضاء المغربي، بأن “المادة 265 من المسطرة الجنائية في صيغتها الحالية تنص على أنه حين تكون هناك شكاية موجهة ضد الوكيل العام للملك يجب اللجوء إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، وهو ما فعلناه بتاريخ 12 مارس 2018، ولو أن محكمة النقض رفضت تسلم الشكاية بحجة أنها يجب أن تمر عبر الوكيل العام للملك، ولا يمكن لهذا الأخير طبعا أن يقبل شكاية ضده، لذلك قرر حفظها.

لقد اعتقل بوعشرين بدون مقرر قضائي يأمر اعتقال بوعشرين اعتقالا احتياطيا، ثم أحيل مباشرة من قبل الوكيل العام للملك على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بدون سند قانوني. ذلك أن الوكيل العام للملك يمكنه الإحالة على غرفة الجنايات في حالة توفر شرط رئيس وهو حالة التلبس بجناية، طبقا للمادة 73 من المسطرة الجنائية، لكن لم يكن يتوفر هذا الشرط في حالة اعتقال بوعشرين، وهو ما أقرّت به النيابة العامة. أما الهدف من تجاوز القانون فقد فضحته هيئة الدفاع، حين أكدت أن بوعشرين “قد أحيل على غرفة الجنايات مباشرة، حتى لا يحظى بعرض قضيته على هيئة للتحقيق”، ورغم الشكاوى التي تقدم بها الدفاع لإثارة انتباه المحكمة إلى واقعة الاعتقال التحكمي، إلا أنه “أوصدت أمامه أبواب الولوج إلى القاضي الذي أوكل له الدستور في فصله 117 حماية حقوق وحريات الأشخاص والجماعات وأمنهم القضائي، وهو ما يعد حرماناً لحقه في التقاضي الذي يضمنه له الفصل 118 من الدستور”، يقول النقيب محمد زيان.

أدلة إثبات ملفقة

لم تقدم المشتكيات للمحكمة أي دليل على ادعاءاتهن بتعرضهن للاغتصاب أو الاستغلال الجنسي، لم يقدمن لا شهادة طبية ولم يستطعن الإتيان بشاهد واحد يعزز شكايتهن. ومع ذلك، تحركت الفرقة الوطنية بـ”كوموندو” من 40 ضابط أمن لاعتقال صحافي معروف. بعضهن اكتفت بالقول إنها تظهر في “الفيديوهات”، لكن الفيديوهات نفسها تطرح عشرات الأسئلة، فبوعشرين ينفي أن تكون له، خصوصا وأنها لم تحجز أمامه، بل وجدها موضوعة فوق مكتبه، والذي يؤكد هذه الحقيقة أنه لا وجود لمحضر رسمي لهذا الحجز المزعوم، قد تكون الفرقة الوطنية قد أنجزته وفق المساطر القانونية المعمول بها.

صحيح أن هناك محضر حجز تقول الفرقة الوطنية إنها أنجزته، لكن لا يشير إلى قرص صلب خارجي، ولا إلى جهاز للتسجيل الرقمي DVR، أو كاميرا صغيرة، ولم يشر إلى سلسلتها ونوعيتها واسم الشركة التي اقتنيت منها، كما تنص على ذلك القواعد والإجراءات القانونية الملزمة في إعداد المحاضر. كما خلا المحضر، أيضا، من معلومات ذات أهمية كبيرة في مثل هذه القضايا مثل مكان احتجاز تلك الأجهزة، ونوعية الروابط التقنية بين تلك الأجهزة، وهي معلومات ضرورية مادام أن بوعشرين رفض حين توقيفه التوقيع على المحضر.

النقيب عبداللطيف بوعشرين توقف عند هذه النقطة بقوله: “لقد تم القفز على وقائع ودفوعات شكلية، من شأنها أن تقلب الموازين”، وسجّل في هذا الصدد ملاحظتين: الأولى، القانون يؤكد صراحة أنه يتعين أن يصدر أمر بالاعتقال من الوكيل العام للملك، ويتعين على الشرطة القضائية تنفيذ الأمر بالاعتقال، وأن يكون ذلك عن طريق الإذن بالتفتيش، وأن يكون الإذن كتابيا. لكن كل هذه الأمور تم القفز عليها، ولم يجب عنها الوكيل العام للملك”. وأضاف النقيب بوعشرين بخصوص الملاحظة الثانية قائلا: “حين نقول إن توفيق بوعشرين لم يوقع على محضر المحجوزات، فمعناه أنه يرفضه، ويتحفظ على آلتين اثنتين ضمن تلك المحجوزات. هنا أيضا قلنا للمحكمة يجب رفع البصمات عن المحجوزات، لكنها اعترضت وقالت إن الضابطة القضائية غير مجبرة، لقد كان على الوكيل العام للملك أن يأمر برفع البصمات وجوبا، لكنه لم يفعل”.

يعتقد النقيب بوعشرين أن المحكمة لو رفعت البصمات كانت “ستُبدد الشكوك”. أي الشكوك التي تزكي الادعاءات التي تفيد بأنه “لو رفعوا البصمات لوجدوا بصماتهم، وليس بصمات بوعشرين”. لكن النيابة العامة رفضت الذهاب في هذا المنحى، وأغلقت الأبواب دونه مرة أخرى.

لهذه الأسباب وغيرها، تقدم دفاع بوعشرين بدعوى بالطعن بالزور والتزوير في الفيديوهات أمام محكمة النقض، في حين رفع النقيب محمد زيان دعوى أخرى تتعلق بـ”تزوير في محضر رسمي”، لصالح عفاف برناني التي اتهمت ضابطا ممتازا في الفرقة الوطنية للفرقة القضائية بتزوير أقوالها ضمن محضر رسمي، ضمّنه تصريحات مزعومة لها يفيد أنها تعرضت “للتحرش الجنسي” من قبل بوعشرين، بينما هي تصر على أنها لم تتعرض لأي تحرش، ولم تصرح بذلك. لكن، عوض الانتصاف لها، تمت ملاحقتها بتهمة التبليغ عن وقائع تعلم عدم وقوعها، وقضت المحكمة في حقها بستة أشهر سجنا نافذا.

من بين أدلة الإثبات التي اعتمدت عليها الفرقة الوطنية في البحث لإنجاز محضر الاتهام ضد بوعشرين، سجل مكالماته الهاتفية والرسائل النصية القصيرة الواردة والصادرة من رقمه الهاتفي، كما هي مسجلة في بيان شركة “اتصالات المغرب”، وهي الوثيقة التي طلبتها الفرقة الوطنية من شركة اتصالات المغرب يوم 19 فبراير 2018، أي أربعة أيام قبل اعتقال بوعشرين ويوما واحدا قبل توصل النيابة العامة بشكاية خلود جابري، وبحسب محضر الاتهام، فإن شركة اتصالات المغرب سلّمت البيانات المطلوبة إلى الفرقة الوطنية.  لكن من خلال الفحص الذي قام به دفاع بوعشرين، من خلال الرجوع إلى الكشف الهاتفي المضمن بوثائق البحث التمهيدي المنجز من طرف الفرقة الوطنية والمودعة في ملف الدعـوى العموميـة، فقد تبين لها أن الكشف المتوصل به من شركة “اتصالات المغرب” قد طاله حذف وتغيير. وبحسب محمد رضى، عضو المكتب التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، في الندوة الصحافية الأولى التي نظمتها لجنة الحقيقة والعدالة في قضية الصحافية بوعشرين، تبين أن التصريح “لا يشمل كل المكالمات الواردة والصادرة عن الرقميــــن الهاتفييـن المنسوبين إلى السيد توفيق بوعشريـن”، كما لاحظ رضى أن الفرقة الوطنية كانت تقوم “بحجب ممنهج لتعريف الموقع الجغرافي CELL ID، حتى لا تنكشف أماكن وجود بوعشرين لحظة تسجيل “الفيديوهات المزورة”. بناء على ذلك، طالب دفاع بوعشرين من النيابة العامة تسليمه “النسخة الأصلية” من الكشف الذي تسلمته الفرقة الوطنية من اتصالات المغرب، لكن النيابة العامة رفضت ذلك. ورغم أن القضية أثيرت مرارا داخل المحكمة، لكن هيئة الحكم بدورها لم تطلب إحضار النسخة الأصلية من الكشف المذكور. لماذا بيانات اتصالات المغرب؟ لأن دفاع بوعشرين توصل عن طريق البحث الذي قام به أن تواريخ تسجيل اثنين من تلك الفيديوهات تمت في زمن واحد، ما يقتضي أن يكون بوعشرين في مكانين مختلفين في الوقت نفسه وللمدة الزمنية نفسها. في حين تثبت محاضر رسمية أخرى للشرطة، مثال مخالفتين للمرور، أنه كان لحظة تسجيل الفيديو في الرباط وليس في الدار البيضاء حيث مكتبه، كما أن وثائق بنكية رسمية تثبت أنه كان يجري معاملات خاصة في الرباط، بينما يفيد توقيت تسجيل فيديو معين أنه كان في مكتبه.  كان النقيب عبداللطيف بوعشرين قد تقدم بطلب إجراء خبرة تقنية على الفيديوهات، لكنه أرفق الطلب بأسئلة دقيقة يريد الجواب عنها، لكن الخبرة التقنية التي أجراها الدرك فضلت الإجابة عن سؤال واحد يتعلق بوجود تركيب “مونتاج” للفيديوهات من عدمه. لكن لم يكن المطلوب هو ذلك حسب النقيب بوعشرين، بل قضايا أخرى أهم.

يقول النقيب بوعشرين، أحد كبار المحامين المغاربة ونقيب المحامين العرب، إن”الخبرة التقنية لم تتم على الوجه المطلوب الذي طلبته من المحكمة، لقد طلبت 6 أمور نحتاج الإجابة عنها: أولا، كان يجب إنجاز الخبرة على القرص الصلب، بحضرة من أشرف على وضع هذه الأشرطة رهن الحجز، وهو ما لم يتم. ثانيا، طلبت الخبرة مقرونة برفع البصمات، ولم يتضمنه تقرير الخبرة. ثالثا، كان على الخبرة أن تجيب وتكشف لنا عن الهوية الكاملة للأشخاص الموجودين في الأشرطة، خصوصا وأن المشتكيتين الأصليتين ليس لديهما أشرطة، وهذه مسألة تقنية مقدور عليها وممكنة سواء داخل المغرب أو خارجه. رابعا إن تقرير الخبرة لم يُشر إلى المكان، حيث تم تسجيل هذه الأشرطة. وهل يتعلق بمكتب بوعشرين أم بمكان غيره. خامسا، لم يقدم تقرير الخبرة التقنية أي معلومات حول زمان تسجيل هذه الأشرطة، خصوصا وأن بينها شريطين تم تسجيلهما في زمن واحد وبمشاهد مختلفة، أكثر من ذلك لدينا وثائق رسمية تثبت أن بوعشرين كان في أمكنة أخرى غير الدار البيضاء مثل شهادة طبية تثبت أنه كان في مستشفى لحظة تسجيل بعض تلك الأشرطة، وسادسا لم يتم إحضار من حجزوا الأجهزة، ولم تطلب المحكمة حضور من أعد الخبرة التقنية في الدرك الملكي، خصوصا وأن تقرير الخبرة قدم أمثلة حالات لا تنطبق نهائيا على حالة توفيق بوعشرين”. وختم النقيب بوعشرين قائلا: “إن تقرير الخبرة التقنية ألقى بمزيد من الشكوك، وأثار مزيدا من الأسئلة، وأنا هنا أتكلم بالقانون. أريد أن أفهم. هل يمكن تسجيل شريطين في زمن واحد وبمشاهد مختلفة ولأشخاص مختلفين؟ أريد جوابا”.

 

نظام للتعذيب النفسي

بسبب الشكوك الحاصلة حول “الفيديوهات”، لجأت الجهات التي “صنعت” ملف بوعشرين إلى انتزاع الشكايات من سيدات تحت التهديد. لقد بلغ عدد النساء اللائي تم إحضارهن أمام الفرقة الوطنية 14 امرأة، بينهن متزوجات. وقد تعددت الروايات من هؤلاء مورس حول ما عليهن لكي يتقدمن بشكايات ضد بوعشرين، من خلال اللعب على وتر الصدمة وعنصر المفاجأة. فمع أول نظرة، يتم تشغيل فيديو لمن يتم استدعاؤها، ومن هول الصدمة تنهار قبل أي كلام، أما من تصمد قليلا ولو تبولت في ثيابها، يتم الضغط عليها بصراخ الكلام. وأمام المحكمة بدا كل شيء على النقيض مما ظهر أول يوم، فمن بين النساء 14 اللواتي زعمت النيابة العامة أنهن ضحايا مفترضات لتصرفات بوعشرين، لم تأت إلى المحكمة سوى 5، رددن جميعا رواية النيابة العامة، بينما تم استقدام 5 أخريات باستعمال القوة العمومية، والحال كيف لضحية أن تستقدم إلى المحكمة بالقوة للدفاع عن نفسها؟! أما الأربع الباقيات، فقد رفضت المثول أمام المحكمة أصلا، وفضلن السفر إلى خارج المغرب والابتعاد بالكامل عن الملف. وبحسب تقرير لجنة الحقيقة والعدالة “فقد مورست ضغوط هائلة على بعض النساء لإجبارهن على وضع شكايات ضد بوعشرين”. استهدفت حنان باكور وآمال الهواري وعفاف برناني بشكل غير مسبوق، من قبل دفاع المشتكيات، من محامين وإعلاميين ونشطاء سياسيين، لأنهن رفضن اتهام بوعشرين. وبينما نالت برناني 6 أشهر سجنا نافذا جراء طعنها بالزور في محضر ضابط شرطة ممتاز، كما تم وضع آمال الهواري رهن الحراسة النظرية لمدة 36 ساعة بدون مبرر قانوني، سوى أنها رفضت الحضور إلى المحكمة، التي أمرت بإحضارها بالقوة. أما حنان باكور، فقد كانت ضحية عملية نشر فيديو مزيف يتضمن الإساءة لها، أرسلته جهة مجهولة إلى أصدقائها وأفراد عائلتها.

ومن داخل سجن عين برجة، الذي بناه الاستعمار الفرنسي، كان على بوعشرين أن يواصل صموده على جبهتين: داخل السجن، وفي المحكمة. في السجن، كان معزولا عن السجناء في غرفة ضيقة، وبحسب محمد رضى، عضو المكتب التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، فقد “أخضع لنظام العزلة من أجل تحطيمه معنويا”، مشيرا إلى أن “نظام العزلة” يعد “نظاما للتعذيب النفسي”، خصوصا وأن بوعشرين مُنع من الساعة لمعرفة الوقت، ومُنع من الحق في الكلام سوى نصف ساعة كل أسبوع مع زوجته وأبنائه.

ففي رسالة إلى الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أوضحت زوجة بوعشرين، أسماء الموساوي، كيف تم إخضاع بوعشرين للتعذيب النفسي، فهو “محروم من الحق في الكلام” مع باقي السجناء خلال الفسحة اليومية التي يخرج إليها لفترة قصيرة في ساحة ضيقة جدا ذات شكل مثلث”، كما حرمته إدارة السجن من “ساعة لمعرفة توقيت الزمن”، ومحروم، كذلك، من التوصل بالجرائد يوميا، ما يجعل “إدراكه للزمن يتشوش”، وهي إجراءات المقصود منها “إلحاق آلام نفسية من السجن”. أما الوجه الآخر لهذا التعذيب، فقد كانت تتكفل به مواقع “إلكترونية” وصحفيون بأسمائهم، ممن انخرطوا مبكرا في “حملة تشويه وتعريض بشرف بوعشرين وعائلته”، كما يساهم فيه محامون من هيئة دفاع المشتكيات، ممن نصبوا أنفسهم أثناء المحاكمة “خصوما، بل وأعداء للمتهم لتعويض العجز عن إثبات تهمة الاتجار في البشر”، كما لاحظ ذلك الجامعي والقيادي اليساري، جليل طليمات. وقد ظهر ذلك في مسار المحاكمة، ففي جلسات عديدة كان دفاع المشتكيات يتجاوز مهمته إلى “القيام بمهمة السب والشتم” سواء في حق دفاع بوعشرين، أو “التطاول على بوعشرين بالتشهير ووصفه بالمجرم ونعته بأقدح الأوصاف عبر نسب أفعال إليه لم تثبت قضائيا”، بحسب ما ورد في رسالة زوجة بوعشرين إلى إدريس اليزمي، رئيس مجلس حقوق الإنسان. وهي الرسالة التي لخصت الهدف من حملة التشهير والسب والقذف في “ترهيب وتخويف الصحافي توفيق بوعشرين هو وعائلته وثنيه عن الدفاع عن نفسه، وعن العمل من أجل إثبات براءته”.

 

أيادي خارجية

هكذا يظهر أن الغرض ليس الانتصاف لضحايا مفترضات، بل الانتقام من بوعشرين، كما يكشف ذلك عن الخلفية السياسية والأمنية لهذه القضية، التي تشير بدورها إلى وجود أياد خارجية في هذا الملف، وهو ما سبق وأن كشف عنه الصحافي بوعشرين نفسه أمام المحكمة، انطلاقا من وقائع سابقة على اعتقاله، وتعززها اليوم عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بتركيا. ذلك أنه قبل اغتيال بوعشرين بشهرين، وصلت الإشارات الأولى على أنه بات غير مرغوب فيه، “ففي 15 دجنبر 2017، كنت قد توجهت إلى قطر في زيارة مهنية، فحصلت يوم الخميس على تأشيرة قطر عبر الإيميل. وركبت يوم الجمعة في الخطوط الملكية المغربية في اتجاه مطار الدوحة، فلما وصلت ليلا في الثانية صباحا من يوم السبت بتوقيت الدوحة منعت من دخول قطر، ولما سألت قالوا: أنت موضوع على “اللائحة السوداء للممنوعين من دخول تراب قطر”، فسألتهم كيف؟ ومتى حدث هذا؟ أنتم منحتموني تأشيرة يوم الخميس فكيف وضعتموني في اللائحة السوداء يوم الجمعة وهو يوم عطلة في قطر؟ رد علي مسؤول أمني في المطار وقال: يبدو أن طلب منعك من دخول قطر جاء من المغرب”…

أما الواقعة الثانية التي تؤكد وجود أياد خارجية وراء اعتقال بوعشرين، فتتعلق بالمقالات الافتتاحية التي نشرها في “أخبار اليوم”، خصوصا حول الأمير محمد بن سلمان، الذي يروج اسمه اليوم في قضية مقتل خاشقجي. إذ سبق وأن كتب بوعشرين افتتاحية تحت عنوان: “أمير يبيع الوهم”، أثارت غضب السلطات في السعودية، رغم أنها خلت من أي سب أو قذف، ما جعل ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون الدولي، يدعو في تصريح صحافي إلى توقير السعودية في الإعلام المغربي، في رسالة  كانت موجهة إلى بوعشرين. وقد تحدث لـ”أخبار اليوم” لاحقا أكثر من مصدر عن وجود رسالة احتجاج من السلطات السعودية وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة، ويبدو أنها لازالت هناك.

لكن المثير أن السعودية كانت تريد الذهاب إلى القضاء ضد بوعشرين، لكن يبدو أن جهات أخرى دخلت على الخط، وطلبت منها عدم فعل ذلك، وقررت هي تولي الملف ليكون جنائيا وليس في إطار قانون الصحافة الذي يخلو من العقوبات الحبسية. أما الواقعة الثالثة، التي تفيد أن الملف تمت “فبركته” بالكامل، فهي الرسالة التي تحدث عنها بوعشرين، وقد توصل بها من حسن طارق، الذي توصل بها بدوره من مجهول “تخبرني بكل تفاصيل ما سيجري، أربعة أيام قبل اعتقالي”، وهي الرسالة التي ظل بوعشرين يحتفظ بها في هاتفه، لكن المحكمة رفضت الاطلاع عليها، تماما مثلما رفضت الاطلاع على رسالة أخرى توصل بها من جمال خاشقجي (قبل اغتيال هذا الأخير) يحذره فيها من أن السعودية قد تفكر في اغتياله، انتقاما منه على مقالاته المنشورة على “أخبار اليوم”، وعلى موقع “العربي الجديد”، والتي ينتقد فيها قرارات الأمير محمد بن سلمان.

وفي أول تقرير لها بعد صدور الحكم القاسي ضد بوعشرين، أكدت لجنة الحقيقة والعدالة في ملف بوعشرين أنها “تتوفر على شهادة مضمونها أن المملكة العربية السعودية وجهت رسالة إلى السلطات المغربية، تشتكي فيها من مقالات السيد بوعشرين حول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان”. وهو معطى جديد يؤكد أن القضية أبعد ما تكون عن استغلال جنسي مزعوم، ويعزز القناعة أن بوعشرين “تكالبت” عليه أياد محلية وأخرى إقليمية من أجل تصفيته، ولو لم يكن بالطريقة ذاتها التي تمت بها تصفية خاشقجي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.