محمد الناجي: الدين قص أجنحة المرأة -حوار

25/11/2018 - 21:02
محمد الناجي: الدين قص أجنحة المرأة -حوار

يعود الكاتب المغربي محمد الناجي للانتصار للمرأة المتحررة، فبعد تطرقه للموضوع من قبل في روايته «مسلة الخليفة»، أصدر الناجي قبل أيام كتابه الجديد «الجسد المكبل، كيف يضبط الإسلام المرأة»، وهو كتاب يحلل فيه الناجي تعاطي الإسلام مع المرأة، بأسلوب يتجاوز «المحظور»، ليناقش أسباب نزول الآيات المرتبطة بالمرأة في القرآن الكريم، ويفكك علاقة الإسلام بالنساء.

في هذا الحوار، يشرح الناجي أسباب اختياره العودة إلى جذور العلاقة بين الإسلام والمرأة انطلاقا من النصوص القرآنية وأسباب النزول، بمقاربة مختلفة على ما هو مألوف في دراسة ارتباط القرآن بالنساء، ويوضح جديد ما حمله كتابه حول سورة النساء وأمهات المؤمنين والحجاب في الإسلام، وأسباب توجهه نحو قراءة تزيل القداسة على النص لتسلط الضوء على آليات انعكاس الدين على المجتمع.

بداية. لماذا اخترت في هذا الكتاب العودة إلى الماضي في مسألة علاقة الإسلام بالنساء؟

إنه ليس الماضي إنه الحاضر، الحاضر الذي يثقل ويقيد حياتنا، ويشكل السياسة، ويتدخل في واقعنا المعيش. إننا نعيش مرحلة يغلب عليها التطلع إلى القطيعة الثقافية، إذ الممارسة الاجتماعية في طور تجاوز الدين، في حين أن هناك صرامةً في الخطاب الديني مما يسبب مأزقا.

والآن، من الضروري أن نتساءل بحرية وصراحة حول هذا الموضوع، وهذا هو دور المفكر: يحلل ويُشرّح كل الطابوهات، ويزيل لثام القداسة لتسليط الضوء على آليات الهيمنة التي فرضت  على المجتمع باسم السماء.

يفتتح كتابك بنص عن القرآن والمرأة. لماذا؟

لأن القرآن هو قلب التساؤل، هو اليوم الحصن الذي يحتمي به كل من يعارض التغيير والتقدم، وهذا لا يخدم النص لأنه يحمله كل شيء، الصالح والطالح. ولأنه حان الوقت لقول الحقيقية والتوقف عن اللف والدوران. لقد حان وقت الجرأة من أجل طرح الأسئلة بحرية وهدوء حول علاقتنا بالكتاب المقدس. أريد الحديث عن علاقة صحية وسليمة، لكن في الوقت نفسه ليس فيها تنازل عن شروط الحداثة والديمقراطية والمساواة بين الجنسين.

لا جدال في أن القرآن هو كتابنا المقدس، لكن مجتمعنا يتطور، وطموحاتنا تتغير، إننا لم نعد نعيش كأصحاب النبي في المدينة، ندين باحترام كبير للنص، لكن يحق لنا أن نتساءل عن تشريعاته. تعرفون أن هناك أناسا اليوم يذهبون بعيدا إلى حد المطالبة بحذف آيات من القرآن، لاسيما تلك المتعلقة بالعنف. بالنسبة إلي، لا يمكن  حتى التفكير في هذا العمل، إنه ضرب من الهراء، لكن في الوقت ذاته، يجب أن نعرف أن التاريخ هو المسؤول عن إلغاء ما لم يعد ملائما وغير مناسب. إنه يطرح التشريعات الإلهية التي جعلها الواقع متقادمة، فالنسخ عملية جارية لأن الممارسة الاجتماعية تتحدى الأشياء، وغالبا ما يحدث ذلك دون ضجيج.

لذلك لنتحدث بصراحة إذا أردنا مجاراة عجلة التاريخ التي تسير بسرعة، فاليوم، المرأة تعمل في الخارج، وغالبا ما تحصل على نتائج أكاديمية أفضل من الرجال، وهي في كثير من الأحيان مستقلة اقتصاديا، وفي الوقت نفسه نترك فقهاء محدودين ومسترشدين بمصالح معينة، يعظوننا ويهددونا بآيات أساؤوا تفسيرها أو أنها هي نفسها لم تعد تناسب الظرفية الحالية.

 تولي في تحليلك للنص القرآني أهمية كبيرة لأسباب النزول والصورة ما سبب ذلك؟

هذا صحيح، وذلك لأسباب وجيهة! إن أسباب النزول تكشف بشكل خاص وقيِّم علاقة النص المقدس بالمجتمع، وتوضح الظروف الدنيوية لنزول الوحي، على الأقل كما يقدمها المفسرون. إن هذه الأسباب، تمد القرآن، الكتاب السماوي بجذور أرضية.

تتألف أسباب النزول غالبا من مشاهد أو صور تعليمية موجهة لعامة الناس، إنها تبين لنا، أو تدعي أنها تبين الظروف الحقيقية، وبالتالي الأسباب الحقيقية لنزول الآية، لأن هذه الأسباب هي من صنع الرجال، الفقهاء. بالطبع، يجب قراءة هذه الأسباب في ضوء عصرنا، وتساؤلاتنا وتطلعاتنا، وإعادة النظر بعين ناقدة في قصصهم الحافلة بالأحداث التي تقلص الأسباب في حالات محددة، على الرغم من أن الآيات التي يعالجونها ذات أهمية عامة، واجتماعية.

لذلك، يتوجب علينا أن نذهب إلى البنى العميقة لنكون قادرين على تمييز آليات الوحي، لكن كما تمت صياغتها، فأسباب النزول تقول بوضوح إن التشريعات الإلهية ليست مجرد مسألة إرادة إلهية مستقلة عن التجربة الحية في المجتمع، بل هي استجابة لمخاوف الرجال، وصراعاتهم، خاصة تلك المتعلقة بالرجال والنساء.

بهذا يصبح النص ذا تكوين أرضي بشكل كبير، وهذا أمر مهم لإعادة النظر في علاقتنا بالقرآن، ولنقل إن الأسباب تشكل ثغرة في الخطاب المقدس، حلقة هشة في سلسلة الوحي، التي يمكن تشريحها بسهولة أكثر، وفتح الطريق لقراءة نقدية للنص، فأسباب النزول تفتح الطريق للتفكير المشروع في مدى إلهية النص، وبالتحديد في تحليل علاقة القرآن بالمرأة، ومن ثم، فأسباب النزول عنصر مساعد ثمين وقيم ومفيد للغاية.

 القرآن، وفق الفقهاء، يكرم المرأة، ويحث المؤمنين بالتعامل الحسن معها والاعتناء بها، ويقدمون كبرهان على ذلك سورة «النساء»، المخصصة إلى حد كبير للجنس المؤنث والعلاقات بين الرجال والنساء، وأيضا سورة «المجادلة»، المكرسة بالكامل لامرأة كانت لاحقا محترمة جدا من قبل الخلفاء الراشدين. ماذا تقول عن هذا الأمر؟

يمكن استخدام هاتين السورتين كأمثلة لتوضيح العلاقة بين النص المقدس والمرأة. صحيح أن سورة « النساء » تتطرق في جزء كبير منها للنساء وتحمل كذلك اسمهن، لكن المشكلة هنا مختلفة، الإشكال في هذه السورة هو: على أي أساس تتحدث عنهن سورة « النساء ». إنها لا تتحدث عنهن كمسؤولات عن مصيرهن، الأمر بعيد عن ذلك. تفتتح السورة بادئ ذي بدء بالتذكير بأسبقية الرجل الذي هو المخلوق الأول، والذي خلقت منه في وقت لاحق المرأة.

مباشرة بعد ذلك، يمر النص إلى القاصرين الأيتام، ثم إلى القاصرات النساء، وعلى الفور العلاقة تتضح: يمكن للرجل أن يتزوج امرأة، اثنان أو ثلاث، أو أربع، بالإضافة إلى الجواري، وهكذا توجد المرأة منذ البداية في وضعية المرؤوسة: قاصر وجزء من حريم الرجل سواء كزوجة أو أَمَة.

هناك آيات رئيسة في هذه السورة عن وضع المرأة: إنها سفيهة. لا يمكن أن يسند إليها أمر إدارة الممتلكات. هناك علاقة اجتماعية محددة بوضوح: ملكية وسائل الإنتاج وإدارتها هي مسؤولية الرجال لأن النساء غير قادرات على ذلك، ولدى المرأة نصف الحصة التي تذهب للرجل في الميراث، وهو إجراء يُنتج دوما عدم المساواة بقطع أجنحة النساء على المستوى الاقتصادي، لكنه يبدو منطقيا ومبررا لأن الرجل أكثر أهلية منها، باعتبار أن « الرجال قوامون… ».

ويمكن للرجل في حالة الخطيئة أن يضرب زوجته ويحبسها في منزله، بعبارة أخرى يُبقيها سجينة حتى وفاتها، لذلك يجب أن ندرك مدى السلطة الممنوحة لشخص له الحق في العقاب، وبعبارة أخرى، الرجل هو الحاكم والقاضي في منزله، ومن ثَم نفهم هنا عائشة التي تحدثت عن الزواج كرق! لأن الامتياز الذي يقدمه النص المقدس هنا للرجال كبير، حيث قدم له السلطة على المرأة، وهناك المزيد من الأشياء، فبالنسبة إلى بعض المفسرين، المرأة ليست جزءا من القوم المكون من الرجال فقط، هذه المسألة تناولتها في الفصل الأول من كتاب القرآن والمرأة.

أما بالنسبة إلى سورة « المجادَلة » التي ذكرتها، أفضل تسميتها « المُجادِلة »، للإشارة إلى المرأة المعنية بالأمر. حيث جاءت هذه المرأة لتشكي للنبي زوجها الذي طلقها ظلما، بطريقة مهينة. وها هو مثال نموذجي عن أهمية أسباب النزول: نحن في حضرة مشكلة اجتماعية حقيقية من خلال تدخل امرأة. المفسرون يميزون هذه الحالة، كالعادة، لتقليص أهميتها الاجتماعية. حسنا، على الرغم من أن السورة تتعلق بالمرأة المذكورة، على الرغم من أنه يجب إجابتها هي، فهي الشخصية الرئيسة، يتحدث الله في السورة حصرا مع الرجال، ليست هناك كلمة موجهة إلى المُجادِلة مباشرة، كما لو أنها غير جديرة بذلك. لذلك، فالمعنى واضح: الموضوع هو الرجال والنساء تحت سيطرتهم. يتم الحديث عن النساء، لكن في علاقتهن بأزواجهن، مع الرجال. الحقيقة أن المرأة مهضومة، يصغر وضعها لدرجة جعلها تقريبا مِلكا وليس إنسانا قائما بذاته، وخصصت في هذا الكتاب فصلا خاصا عن « الطلاق والعبودية » بهذا الشأن وضع المرأة محزن.

  هل لهذا السبب تتحدث عن «شيطنة الجسد» وتخصص فصلا طويلا له؟ وماذا تقصد بذلك تحديدا؟

رفع الحجاب لإدراك الجسد الأنثوي الذي يستخدمه الرجل كما يشاء، هو الهدف، حيث يحجبه لدى المرأة الحرة ويعريه لدى الأمَة. جسد المرأة مُتّهمٌ، لكن مرغوب فيه بشدة، لذلك تنقسم النساء إلى فئات: المرأة الحرة العفيفة، والأمة الفاسقة وغير العفيفة. لكن على الرغم من الخطاب، فإن هذا الاختلاف بين المحجبة وغير المحجبة، بين الحرة والأمة، بين الزوجة الأم وبين الأمة هو مجرد وهْمٌ قانوني لأن المرأة هيكليا تحال إلى جسدها الجنسي، فهناك لعبة المرايا التي تعيد لها هذه الصورة التي تخون طبيعتها الحقيقية، الأمة تعيدها إلى المرأة الحرة، الزوجة الجديدة والشابة تعيدها للقديمة. المرأة مسجونة في جسدها الجنسي، ولن تكون إلا لهذا الأمر، ويتم منعها من الوصول إلى أماكن القرار، ويتم العمل على جعلها شيئا جنسيا خالصا وبسيطا.

 هل لهذا السبب تحجب المرأة؟ لديك مقاربة خاصة لآيات الحجاب التي يقدمها المفسرون كرغبة في حماية المرأة من الشيطان والفتنة بإبقائها بعيدة عن الأنظار.

أحاول أن أذهب إلى أبعد من ذلك، وتغيير زاوية الرؤية. فالمفهوم السائد للحجاب يخفي القضايا الحقيقية العميقة. مع وجوب الإشارة والتذكير أن آية الحجاب قد نزلت، حسب الوقائع، في ظرف خاص جدا، هو زواج النبي بابنة عمه زينب المطلقة من زيد بن محمد، حيث كان من الضروري إلغاء نظام التبني للسماح للأب السابق بالزواج من زوجة الابن السابق. وقصة أنس بن مالك عن ذلك غريبة جدا.

ولتوضيح الفكرة، الحجاب هنا هو أكثر من ذلك بكثير، هو الذي يحمي الأمير، بمعنى أنه يجعل سلطته مطلقة ولا جدال فيها. والمرأة هنا، محجبة رمزيا لأنها تنتمي إلى الفضاء الخاص، الحريم. لأنها بشكل قانوني هي وراء الرجل وفي خدمته. لكن التفسير يبسط الأشياء دائما ويرسمها بسخرية لإخفاء الواقع الذي هو واقع سلطة. وقضية زينب ذات دلالة تعري الطابوهات، وهشاشة الخطاب الديني.

أمهات المؤمنين هي مرسوم من الله، نص عليه القرآن، وهكذا يراه المفسرون..

هي مؤسسة أخرى لا نتحدث عنها كثيرا. يبدو أنها مقدسة بشكل طبيعي. أعتقد أن تفسير هذه المؤسسة مرتبط هو أيضا في جزء منه بما هو أرضي دنيوي، وسياسي. هذا هو أحد مفاتيح ذكاء العلاقات التي سادت بين المؤمنين. إنها مؤسسة مختومة بختم المقدس الذي يبعدها عن أسئلة المنطق. من الضروري أيضا في مناقشة هذا النوع من الأسئلة وفي بيان وضع المرأة، استحضار أن النبي كان دائما مثالا ونموذجا يُحتذى به، ينير مصير زوجاته ومصير النساء بشكل عام في الإسلام. ويبين افتحاص النص المقدس والسيرة النبوية أن العوامل السياسية تدخلت بقوة في ظهور المؤسسة المعنية. المقدس كثيرا ما كان ناطقا باسم الدنيوي.

 عائشة أو الإمامة المجهضة. تعيد بالكامل إدراك عائشة الذي يبدو أنك معجب به كثيرا..

الكتاب كله يعالج النزاع ويحاول إظهار التطرف الذي يميزه أحيانا. لقد أدركت المرأة المهانة التي مورست عليها في النص، واحتجت عليها بشدة. عائشة تمثل إن صح القول الاتجاه الراديكالي لهذا النزاع، لأنها كانت امرأة غير عادية ولافتة للنظر جدا، كانت أعلى قيمة من كل الصحابة، لكن محيط الرسول حكم عليها بالموت وحاول ونجح في القضاء عليها في التنافس بفبركة قضية الإفك.

 الفصل الخامس «مات بين سحري ونحري» هو نص أدبي، من النادر أن تعالج علاقة الرسول بزوجاته بهذا الشكل. لماذا مثل هذه المقاربة؟

هذا النص يعكس العلاقة الحميمية القوية بين الرسول وعائشة، وهو مستوحى من هذه الجملة المدهشة التي قالتها هذه المرأة عند وفاة النبي. والنص في مجمله يعبر عن ألم أرملة لوفاة زوجها وغضبها كامرأة شابة «مخصية» تقريبا بكونها صارت أم المؤمنين.

في أولى جلسات مناقشته بعد صدوره، أثار كتابك ردود أفعال قوية جدا. كيف ترونها؟ 

ليس هناك ما هو أكثر سوءا من النقد المبني على الشائعات، والجمل المجتزأة، ومناقشة الكتب دون قراءتها، لذلك نسمع تعليقات مثل « الكفر » و »الفضيحة » لمجرد أنني كتبت في مقالة أن « الله أدار ظهره للمرأة ».

ولكن رغم ذلك، يجب أن نعترف بأن مثل هذه الأمور طبيعية عند مناقشة كتاب مقدس. في المقابل، يجب أن نعترف، كذلك، بأن هذه الانتقادات هي نتيجة لتعليم مدرسي منحاز، حيث لا تقدم المعلومات سوى بصيغة التأكيد.

نعم، القرآن لا يتحدث إلا قليلا جدا أو بشكل غير مباشر إلى النساء، وهذا ليس كلامي فقط، وإنما جاء على لسان علماء لامعين مثل السيوطي، وابن مجاهد، الذي أقام القراءات السبع، والإمام اللامع ابن مسعود، لذلك فأنا لا أنزعج من الصراخ، ولكنني مهتم جدا بالنقد الحقيقي، والقرآن يعد من الطابوهات، وأنا أحب أن أتجاوزها.

شارك المقال