في سياق مفاوضات جنيف، التي اختتمت الأسبوع الماضي حول الصحراء، نظمت « مؤسسة الفقيه التطواني »، أول أمس السبت 8 دجنبر، بسلا ندوة، شاركت فيها عدة شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة لتحليل مستقبل النزاع على ضوء آخر التطورات. ورغم أنه لم تتسرب بعد أية تفاصيل دقيقة عما تم تداوله في المفاوضات، إلا أن محمد اليازغي، القيادي الاتحادي ووزير الدولة السابق، اعتبر أن أهم ما في لقاء جنيف، هو أنه « انعقد ولم ينفجر وهذا في حد ذاته إيجابي »، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة توجد في « موقف صعب » لأن مجلس الأمن دعا إلى حل سياسي توافقي، وتجد نفسها من جهة، أمام المقترح المغربي للحكم الذاتي، ومن جهة أخرى، مقترح البوليساريو، الداعي إلى استفتاء تقرير المصير.
« هذه معادلة من الصعب أن تخرج منها المفاوضات بنتيجة ». من جانب آخر، هناك نقطة أساسية وهي أن « مجلس الأمن يصف المقترح المغربي بالجدي وذي المصداقية »، ولكن السؤال هو كيف يدخل هذا التوصيف حيّز التنفيذ؟ وهذا هو الإشكال لأن الجزائر ومعها البوليساريو يدعمان تقرير المصير لانفصال الصحراء، ومن هنا يخلص اليازغي إلى أن « المفاوضات ستكون عسيرة ولن تؤدي إلى حل يرضي المغرب ». لكن هل استمرار هذه الوضعية يضر المغرب أم ينفعه؟ يرد اليازغي أن المغرب لا يضره شيء لأنه « موجود على أرضه » ويقوم بتنمية مناطقه الجنوبية، والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في الصحراء هو الذي يعزز الوحدة الترابية. لكن استمرار هذا الوضع « يضر المغرب » من جهة واحدة، وهي « وضعية اللاجئين في مخيمات لحمادة بتندوف »، فهؤلاء « إخواننا » والجزائر « ترفض إحصاءهم »، ولو تم إحصاؤهم وتسجيلهم لاستفادوا من حقوقهم التي يضمنها القانون الدولي بضمان حقهم في العودة أو التنقل إلى بلد آخر، ويضيف اليازغي « أن هذه هي النقطة السوداء التي تضر المغرب، أما البقية فلا تضر ».
أما الموساوي العجلاوي، الخبير في الشؤون الإفريقية، فيرى أن التوجه الدولي في مجال حل النزاعات الشبيهة بملف الصحراء بات يتجه نحو الحلول السياسية بدل الاستفتاءات، مشيرا إلى المشاكل التي أثيرت خلال استقلال جنوب السودان وإقليم كردستان ومحاولات انفصال إقليم كاطلونيا. كما أن إسبانيا باتت مقتنعة بأنه لا يمكن إقامة دولة في الصحراء، معتبرا أن مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي « يعد تطورا مهما، وهو ما يعني إحداث تغيير كبير في النظام السياسي بإعطاء استقلال القرار للجهات ». كما سجل العجلاوي اعتراف الاتحاد الأوروبي بأن الصحراء توجد تحت الإدارة المغربية من خلال دخول منطقة الصحراء رسميا ضمن الاتفاق الفلاحي. لكن هل يمكن للمغرب أن يطرح الحكم الذاتي حاليا، في ظل رفضه من الطرف الآخر؟ يجيب العجلاوي أنه فقط، إذا وقع تحول داخل النظام الجزائري، إذاك من الممكن طرح الحكم الذاتي.
من جهته، عاد خالد الناصري، الوزير السابق والقيادي في التقدم والاشتراكية، إلى معطيات تاريخية وقانونية حول موضوع الصحراء، مشيرا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، حول الصحراء، والذي اعتمد « مقاربة متناقضة » رغم أنها في النهاية تخدم موقف المغرب. فمن جهة، ترى المحكمة أن هناك ما يثبت وجود علاقة البيعة بين سكان الصحراء وملوك المغرب، ومن جهة ثانية، ترى أنه لا يمكن القول بأن المغرب كانت له سيادة على الصحراء. ويكمن هذا التناقض في أن المحكمة لم تنتبه إلى أن « البيعة تثبت واقعيا ممارسة السيادة ». وبخصوص مقترح الحكم الذاتي، الذي قدمه المغرب سنة 2007، فقد اعتبره الناصري « تحولا أساسيا » ويمثل « الطريق الصحيح لإيجاد حل ».
واعتبرت حسناء أبو زيد، من جهتها، أن البناء الديمقراطي هو أساس تتبيث الوحدة الوطنية الحقيقية، وسجلت انتقادات بخصوص تدبير ملف الصحراء. مثلا، الفاعل المغربي وجد نفسه في موقع دفاع أمام طرح الطرف الآخر لملف الثروات الطبيعية، في حين أن موضوع العدالة الاجتماعية واقتسام الثروات كان يجب أن تطرحه الأحزاب المغربية. كما دعت إلى بناء آليات « للتقييم الموضوعي » للمجهود الوطني في الصحراء، خاصة في ظل حصار المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الإفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي ورفضها تمويل برامج في الصحراء. من جهة أخرى، سجلت أبو زيد وجود مشكلة في الديمقراطية التمثيلية.
في السابق كان المغرب « يستبعد الصحراويين ويدعم بطريقة غير مباشرة أطروحة تمثيل البوليساريو للصحراويين »، لكن وقع تطور وأصبحت اليوم، مساهمة الصحراويين مهمة، لكن هناك « حاجة إلى دعم بنية مؤسساتية تأخذ بعين الاعتبار التعدد والثراء لتجاوز أعطاب التمثيلية في المناطق الصحراوية ».
وفي السياق نفسه، تحدث البشير الدخيل، الخبير في الشأن الصحراوي، عن عدة مداخل لإيجاد حل للنزاع، منها تغيير النظرة للصحراويين باعتبارهم « يسعون إلى الريع وليست لهم الكفاءة » وإطلاق سياسة تصالحية حقيقية، ووضع حد لظاهرة من سماهم بـ »الخبراء والمحللين الذين لا يفقهون شيئا في ملف الصحراء »، داعيا إلى إشراك الصحراويين، لأن هناك مؤسسات تمثيلية لهم في الجماعات والجهات في الجنوب تمثلهم بنسبة 70 في المائة. وبخصوص إمكانية إيجاد حل سياسي اعتبر أن الأمم المتحدة « اعترفت أنها لم تستطع تحديد الجسم الناخب لخوض استفتاء »، مشددا على أن الحل يجب أن يقوم على « مقاربة براغماتية يربح فيها الجميع »، لأن « الانتظارية لم تعد مقبولة ».
من جانبه، شدد مصطفى الكثيري، المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير، على أهمية مواصلة الحوار والنقاش حول موضوع الصحراء، معتبرا أن مفاوضات جنيف ليست سوى « حلقة » ضمن حلقات هذا المسلسل الذي بدأ منذ استرجاع المغرب لأراضيه. وبخصوص العلاقات مع الجزائر كشف أن هناك جهودا بذلتها المندوبية من أجل التواصل مع أكاديميين جزائريين لصياغة التاريخ المشترك بين البلدين، أثمرت إنتاج مؤلف جماعي ساهم فيه أكاديميون جزائريون ومغاربة، يرصد حقائق تاريخية حول المنطقة. وأشار إلى أنه لو كان البناء الديمقراطي قائما في الجزائر وتم الاستماع إلى النخب لوجد الخلاف المفتعل حول الصحراء طريقه إلى الحل.
من جهته، سجل أحمد الفقيه التطواني، الرئيس الشرفي لمؤسسة الفقيه التطواني، جوانب تاريخية في علاقة شمال المغرب بجنوبه على مستوى القضاء، مسجلا تطابقا في معايير اختيار القضاة بين شمال المغرب وجنوبه، سواء من حيث العلم والإلمام بالمذهب المالكي والإلمام بالفقه، مقدما أمثلة بتعيين المولى الحسن الأول لأحد العلماء في الصحراء سنة 1886، كما تحدث عن تعيينات السلطان مولاي المهدي بتطوان للعلماء في الصحراء، ومن مظاهر التطابق، أيضا، اعتماد المذهب المالكي كمرجع للأحكام واعتماد الإجراءات المسطرية ذاتها. ورغم أن الاستعمار الإسباني أنشأ محاكم عصرية، إلا أن الصحراويين قاطعوها ولم يصدر منها أي حكم يعتمد على القانون الإسباني.