ابن جلــون: الملك ليس مسؤولاً بشكــل مباشـر عما يحــدث.. والمغرب تغير كثيرا

17 ديسمبر 2018 - 00:08

الطاهر بن جلون (من مواليد فاس سنة 1944)، وهو واحد من كبار الكتاب في الوطن العربي، رغم أنه لا يكتب بلغة الضاد، بل بالفرنسية التي منحته الكثير من الجوائز مثل الـ”كونغور” عن روايته “ليلة القدر”، وهي الرواية التي جعلت اسمه يتردد في العديد من المناسبات بين الأسماء المرشحة للفوز بجائزة نوبل للآداب.

يوم الثلاثاء الماضي زار مدينة إشبيلية لتقديم كتابه الأخير “العقاب” عن دار النشر ” Cabaret Voltaire”، حيث يروي بضمير المتكلم “سنوات الرصاص” في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

في هذا الكتاب يحكي ابن جلون كيف أنه اعتقل في معسكر تابع للجيش لمدة 19 شهرا في ظروف أقرب إلى التعذيب،.

بين ثنايا مؤلفك الأخير تؤكد أن كتابته استغرقت منك خمسين سنة كاملة. هل يمكن اعتبارا ذلك تحررا من رواسب الماضي؟

بل كانت هناك عدة مراحل لكتابته. أولاً، نسيت كل هذه الأحداث التي أردتُ أن أضع مسافة بيني وبينها لفترة طويلة. لكنها عادت من جديد عندما اتهمني بعض المغاربة بتأييد الحسن الثاني. في ذلك الإبان لم أتحمس لإبداء براءتي كمناضل وتعففت من الرد عليهم. ولكن عندما أرى الشباب المغربي اليوم، يتمتع بحرية أكبر بكثير مما كانت لدينا في السابق، بفضل الملك محمد السادس، فكرت أن يعرفوا ما حدث عندما كنت في مثل سنهم حتى يتمكنوا من رؤية الفرق. لهذا السبب كتبت هذا الكتاب.

اعتقلت في معسكر تابع للجيش، حيث كانت الحياة صعبة للغاية ومات البعض خلال تلك المناورات؟

أخبرنا يومها القائد العسكري، الذي كان يشرف علينا، أننا سنقوم بمناورات بأسلحة حقيقية وأن القانون كان يسمح لنا بـ5 في المائة من الخسائر البشرية. بدأنا نرتعد، ولم أكن أعرف ما إذا كانت تلك الرصاصات حقيقية أم لا، لكن ما أتذكره هو أنه في نهاية اليوم سقط بين الجنود اثنان أو ثلاثة قتلى. حدث ذلك في فترة كان فيها الجيش نافذا وقويا في المغرب. في الواقع، الضباط الذين كنا تابعين لهم في المعسكر هم أنفسهم من شاركوا في انقلابي (1971 و1972) ضد الراحل الحسن الثاني.

وأنت أسير في المعسكر كان يرافقك كتاب “أوليسيس”، للكاتب العالمي جيمس جويس، الذي كان اختار المنفى ليتحدث عن بلده، كما حدث لك مع بلدك المغرب، لأنك أيضا اخترت المنفى في فرنسا.

الصدفة هي من جعلت هذا الكتاب يسقط بين يدي. ثم إنني لم أفهم عظمة هذا المؤلف وأهميته في ذلك الإبان، لأنه كان شخصًا أجنبيًا جدًا بالنسبة إلي وبعيدًا عني، لكن بعد ذلك تحول إلى صديق، أقرأه وحده لا غير. وفي وقت لاحق، بدأت أهتم بحياته وأعماله؛ هناك أدركت أن جويس كان أحد عباقرة أدب القرن العشرين وأنه اضطر إلى تحمل الكثير من الصعوبات لنشر هذا الكتاب. شخصيا، أعتقد أن الكَاتِب هو ذلك الشخص المقاوم الذي يتزود بالكثير من القوة للذهاب إلى النهاية. كان تأثير جويس قويا على حياتي، لأنه كاتب جريء. لهذا قلت مع نفسي: سأحذو حذوه؛ سأكتب كما يحلو لي دون التفكير في المجتمع أو الرقابة.

هل من الضروري أن تضع مسافة مع بلدك لكي تكتب عنه؟

في الحقيقة، المغرب حاضر في جميع كتبي تقريباً، فهو مصدر إلهامي الدائم الذي أمتلكه. لكن لتكتب عن بلدك، عن مجتمعك، يجب عليك أن تضع مسافة بينك وبينه. الشيء ذاته حدث مع الروائي العالمي البيروفي، ماريو فارغاس يوسا، الذي يعتبر البيرو موضوع أغلب كتبه، لكنه عاش في الخارج أكثر مما عاش في وطنه، حتى قبل الفوز بجائزة نوبل للآداب سنة 2010. لذلك تعتبر المسافة ضرورية، لأنها الطريقة الأنسب لكي تتضح لديك الرؤية. وهذا ما سبب لي عداءً من طرف بعض المغاربة لا لشيء إلا لأنني كنت محظوظا ورأيت أشياء لا يرغبون في رؤيتها، كما حدث عندما كتبت عن الفساد منذ عشرين عاماً في كتاب “الرجل المكسور”.

هل هناك اليوم في المغرب حرية أكثر من مرحلة “سنوات الرصاص”؟ ثم هل يمكن للمغربي أن يخوض في جميع القضايا دون خطوط حمراء؟

لم أتعرض للرقابة أو المنع من النشر في فترة سنوات الرصاص. ثم إنني اليوم لا أنشر فقط ما أريده، بل أكتب مقال رأي كل أسبوع على صفحة جريدة رقمية بكل حرية، معبرا عما أفكر فيه دون أي تضييق، إلى درجة أنني أنتقد كثيرا الوضع في المغرب. لكن في المقابل أنا لا أتحدث عن شخص الملك، لا سيما أنني أحترمه كثيراً ولأنه ليس مسؤولاً بشكل مباشر عما يحدث. ليس (الملك) مسؤولا عن الفساد، بل الإسلاميين الذين هم في السلطة، وهذا ما أنتقده.

لم تخبرني.. هل يمكن التطرق إلى جميع القضايا في المغرب؟

يعتقد الناس أنه عندما تكتب شيئا عن المغرب، فإن ذلك سيعرضك للمتابعة. والواقع أن المغرب تغير كثيراً. نعم، هناك طابوهات. من وجهة نظري، هناك ثلاثة مواضيع لا يمكن الخوض فيها. عدم إهانة شخص الملك أو الأسرة الملكية، والشيء نفسه محظور عندكم في إسبانيا.

ثانياً، قضية الوحدة الترابية مقدسة في المغرب. الصحراء مغربية وقول العكس يعني السقوط في أحابيل الجزائر. وثالثاً، هناك قضية أخرى لا يجب مسها وهي الدين الإسلامي، على الرغم من أن هناك نقاشا مهما بخصوص بعض القضايا المرتبطة بالدين.

هل أنت قلق من ارتفاع منسوب الأصولية في المجتمعات العربية؟

صحيح أنه في السنوات الثلاثين الأخيرة، كانت دراما العالم الإسلامي هي ظهور الأصولية، وهي انحراف سياسي وإيديولوجي للدين الإسلامي. الإسلاموية إيديولوجية لا علاقة لها بالإسلام الذي هو دين توحيدي مثل المسيحية أو اليهودية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإسلاموية ظهرت مع الثورة الإيرانية، التي كانت كارثية على العالم الإسلامي. لقد كنا ضحايا، وأنا هنا أتحدث عن المغرب، لتلك الموجة من الأسلمة التي برزت نتيجة فشل الأحزاب السياسية، والتي لم تكن قادرة على مخاطبة الشباب. الأمر أشبه نوعا ما بما يجري في أوروبا، حيث نرى، على سبيل المثال، الحزب الاشتراكي الذي بدأ يعرف حالة أفول، لأن الشباب لم يعد يستمع إلى الخطاب الذي يستعمله.

بتصرف عن صحيفة «آ ب س»

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.