لا تقتلوا الشهداء مرتين!

18 ديسمبر 2018 - 16:35

كنا طلابا ساذجين في بداية التسعينيات، ضائعين بين الألوان: نعيش الحاضر بالأسود، نحلم بالثورة الحمراء ونلون المستقبل بالوردي. كنا محاربين بلا أسلحة، نتعارك على أكثر من جبهة، ويقتلنا الجوع والبرد وتجاهل الفتيات. صعدنا من الطبقات السفلى لإكمال دراساتنا العليا، رصيدنا منحة بئيسة نتقاضاها كل ثلاثة أشهر ونبددها في ثلاثة أيام، نتدرب على الحرية في الساحة: ندخّن سجائرنا الأولى، نمشي يدا في يد مع الفتاة التي نحب، نردد الشعارات، نرتجل التظاهرات، نجمع الحلقيّات ونتناقش بحدة كأننا نقرر مصير الكوْن..

كانت الجامعة، مثل العالم العربي، مقسمة إلى معسكرين: “الرفاق” و”الإخوان”، وكان الصراع بين “القاعديين” و”الإسلاميين” دخل فصوله الأكثر دموية. كلا الطرفين لا يرى غير العنف وسيلة لطرد خصمه بعيدا عن “الحرم الجامعي”، كما كنا نسمي الكلية بكثير من التقديس. المعسكران وجهان لعملة واحدة: الأول يدعو إلى “الجهاد ضد أعداء الإسلام”، والثاني ينادي بـ”العنف الثوري ضد الظلاميين”….

كان رفاق النهج القاعدي ينقسمون إلى فصائل بلا حصر، كلّ يوم يولد تيار جديد: الكرّاس، البرنامج المرحلي، الممانعون، السيخ، لْگلاگلية… لا أعرف أين كانوا يعثرون على هذه التسميات، لكنني أتذكر أنهم كانوا يتناقشون ويتجادلون بعنف حول أبسط المواضيع، كأنهم أعداء، وكانوا يطلقون على بقية التيارات بازدراء: “الفصائل الإصلاحية”، لأنها تريد إصلاح “نظام رجعي” مكانه الطبيعي “مزبلة التاريخ”، تلك “الديشارج” الكبيرة، التي كانوا يرمون فيها كل يوم عددا من الأنظمة والأشخاص والمبادئ والقيم، بغير قليل من الخفة والنزق. كانت أحلام “القاعديين” مضرجة بالدماء، لا يقنعون بأقل من “إسقاط النظام” وتدمير “الرأسمالية” و”الإمبريالية” و”الكمبرادور” و”الرجعيين” و”الظلاميين” عن طريق “العنف الثوري”، كي يرفعوا في النهاية راية رسموا عليها “منجلا ومطرقة”، ويشيدوا على أنقاض الجميع تلك اليوتوبيا الرهيبة: “ديكتاتورية البروليتاريا”.

العالم كان بالأبيض والأسود. الحلقيات طويلة والنقاشات البيزنطية لا تنتهي. الحي الجامعي الذي فتح غرفه في وجه الطلاب حديثا بمدينة مكناس، أصبح بسرعة ملاذا للرفاق الهاربين من فاس المجاورة. فر “الرفاق القاعديون” من العاصمة العلمية، بعد سقوط ما كان يعرف بـ”جمهورية ظهر المهراز” بين أيدي فيالق “العدل والإحسان” وحلفائهم من “الطلبة التجديديين”، المنبثقين عن حركة “التوحيد والإصلاح”. في أكتوبر 1991، حشدت الجماعة طلابها من مختلف الكليات والمعاهد، وشكلوا ميليشيات مسلحة بالسلاسل والعصي والسكاكين، وشنوا هجوما على جامعة مولاي عبدالله. مواجهة دامية، انتهت بإخراج القاعديين من معقلهم التاريخي بفاس، وأدت إلى عدد كبير من الاعتقالات، واندلاع مواجهات مفتوحة في كل الجامعات المغربية. كنا ننظر إلى ما يجري من أسفل سذاجتنا، ونعتقد أن العالم سيتغير بالشعارات والكوفيات، رغم أن كثيرين لم يكونوا راضين أصلا عن وجودهم داخل الجامعة، بعدما بلغت سمعتها حدا كبيرا من التردي، مع استفحال البطالة وانقراض “المستقبل” في “مملكة الحسن الثاني”.

غرقت الجامعة في مستنقع العنف. ذات يوم، في مستهل 1993، دلف حشد من الطلاب الغاضبين إلى المدرج، وانتزعوا الميكروفون من أستاذ “الجينيتك”، كي يخبروننا بأن أحد “الرفاق” قُتل في فاس على أيدي “العصابات الظلامية”. كان اسمه ثلاثيا: محمد بنعيسى آيت الجيد… وسرعان ما اندلعت اشتباكات عنيفة بين “الرفاق” و”الإخوان”، دارت رحاها بين كليتي الآداب والعلوم والإقامة الجامعية وحي الزيتون بأكمله، امتدت لعدة أسابيع، واستعملت فيها كل الأسلحة المتاحة، من حجر وسلاسل وعصي وسكاكين، وجند فيها كل فريق “أجهزة استخباراته”، التي كانت تسمى “لجان اليقظة”، وأسفرت عن عدد من الجرحى والمعتقلين.

سمعنا روايات كثيرة حول الرفيق المغدور، وكيف استعمل البربر حجر الرصيف كي ينزعوا روحه من جسده، وفي النهاية عرفنا أن السلطات اعتقلت المتورطين في اغتياله، كما أوقفت كل من استطاعت الوصول إليهم من “الرفاق” و”الإخوان”، خلال هذه المواجهات الدامية، وصدرت الأحكام فيما بعد، وطويت صفحة مضرجة بالدم.  مرّت السنوات وماتت الشعارات وتفرّق “الرفاق”، منهم من صار ضابطا محترما في المخابرات ومنهم من تحوّل من متعهد مظاهرات إلى متعهد حفلات، ومنهم من ذهب إلى الحجّ، ثم خلط الأصالة بالمعاصرة، وأصبح مستشارا أو نائبا في البرلمان… وحدها روح آيت الجيد بقيت معلقة على حبال التاريخ، تنظر إلينا جميعا بغضب.

اليوم، يود البعض أن يقنعنا أن القضاء من فرط نزاهته وغيرته على روح الشهيد المعذبة، يريد فتح ملف مقتله من جديد، ربع قرن بعد صدور الأحكام النهائية، وما تلاها من تدخل لهيئة الإنصاف والمصالحة لجبر ضرر من أدينوا ظلما في القضية… وأي قضاء؟ القضاء الذي أدان ناصر الزفزافي بعشرين سنة سجنا، وتوفيق بوعشرين باثني عشر عاما، والمرتضى إعمراشا بخمس سنوات، ومازال يبهدل حميد المهدوي وثلة من النشطاء الأبرياء بين المحاكم والزنازين… القضاء الذي طمس ملف الشبان الأربعة الذين ماتوا محروقين داخل وكالة بنكية في 20 فبراير 2011، وأغلق بسرعة ملف محسن فكري وكمال عماري والمعطي بوملي…  ضربته الغيرة فجأة على آيت الجيد. يا للعجب!

كفانا سينيكية “cynicism “، لا تقتلوا الشهداء مرتين. اتركوا آيت الجيد يرقد في سلام، بدل المتاجرة بدمه الزكي، لتحقيق مكاسب سياسية قذرة!

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.