فيلسوف فرنسي: لا توجد رغبة في إدماج المهاجرين المغاربة -حوار

24 ديسمبر 2018 - 09:21
احتجاج سابق لمُتقاعدين مغاربة بفرنسا

كيف تدفع السياسات النيوليبرالية بالمجتمعات الأوروبية إلى الاختناق؟ سامي ناير، الفيلسوف الفرنسي يشرح كيف يؤدي الجميع، مواطنين وأجانب مقيمين، فاتورة سياسات لا تسير لما فيه مصلحة الشعوب.

انتصار اليمين المتطرف «بوكس» محليا بمدينة «إلخيدو» وفوزه بـ12 مقعدا برلمانيا في الانتخابات الجهوية الحديثة بإقليم أندلسيا، يظهر أن الاندماج لازال مسألة عالقة؟

حالة “إلخيدو” بالنسبة إليّ مهمة جدا وتهمني شخصيا. وما حدث هناك ليس بالشيء الجديد. أتذكر أنني مُنعت رفقة الكاتب خوان غويتسيلو من دخول “إلخيدو” سنة 1999، عندما قتل مهاجر مختل عقليا أحد المواطنين، ما تسبب في اضطهاد واسع للمهاجرين. في ذلك الإبان وقَعْتُ إلى جانب خوان غويتسيلو مقالا في صحيفة “إلباييس”، قلنا فيه إن الشخص الذي ارتكب جريمة القتل مختل عقليا، وانتقدنا اللجوء إلى قنص مهاجرين أبرياء، على خلفية حدث لا ناقة لهم فيه ولا جمل. هكذا قررنا زيارة المدينة، لكن البلدية منعتنا من دخولها وعدنا أدراجنا.

ولماذا كل هذه العنصرية والكراهية في إلخيدو؟

نلمس منذ سنوات في إلخيدو تناقضا بنيويا للنظام. إذ في هذه البلدة استقدموا المهاجرين المغاربة للعمل في الحقول البلاستيكية. وقاموا باستغلالهم، لكن، للأسف، لم يقوموا بأي شيء قصد إدماجهم، لأنهم لم يكونوا يرغبون في ذلك أصلا. في الحقيقة، لم يكونوا يرغبون حتى في تسوية وضعيتهم القانونية، لأن تسويتها يعني الاعتراف بحقوقهم الاجتماعية والهوياتية.

في إلخيدو يريدون فقط، اليد العاملة الأجنبية، لأنهم في حاجة إليها ولا يقومون بأي شيء من أجل إدماجها. هذا شبيه بما كان يحدث في فرنسا مع الإسبان والإيطاليين في الأربعينيات من القرن الماضي… وهذا حدث، أيضا، في مناطق أخرى من العالم… للآسف، هذا الوضع ليس بالشيء الجديد. ولا غرابة في أن تكون إلخيدو معقل “بوكس”. اليمين المتطرف كان مهيمنا دوما هناك.

ففي سنة 2014 حذرت من أنه في حالة تطبيق السياسات النيوليبرالية في فرنسا قد يؤدي ذلك إلى انفجار اجتماعي. هل فعلا هذا ما يحدث الآن، مع «السترات الصفراء»؟

هذا ما يحدث فعلا. إذ منذ سنوات ونحن نقول ونكرر أن هاته السياسة لن يقبلها السواد الأعظم من الفرنسيين. ولن يقبلوها بالمطلق. لن يقبلوا تلك السياسات المقبولة في دول أوروبية أخرى، لا لشيء إلا لأن الفرنسيين شعب يحلل الوضع لمعرفة ماذا سيربح وماذا سيخسر. لهذا مثلا، رفضوا الدستور الأوروبي سنة 2005. الفرنسيون ليسوا مناهضين لأوروبا، لكنهم يعتقدون أن أوروبا لا يجب أن تعني تدمير النظام الاجتماعي، بل توسيعه. الفرنسيون يأملون في أوروبا التقدم وليس التخلف. الفرنسيون ليسوا ضد الأورو، لكنهم يرون أن الأورو يجب أن يكون في خدمة تقوية النظام الأوروبي وليس لتقوية النخب الاقتصادية.

من فضلك، اشرح لنا ما الذي يحدث اليوم في فرنسا؟

أخرج الفرنسيون ساركوزي من قصر الإليزيه بعد 5 سنوات من الحكم، ولاحقا أخرجوا هولاند بعد 5 سنوات من الحكم، كذلك. والآن، وصل ماكرون إلى الإليزيه ببرنامج روحه تعزيز حماية الأشخاص، لكن في الواقع يطبق العكس. والناس تقول إن هذا غير مقبول. حركة “السترات الصفراء” ليست حزبية ولا نقابية، بل إن الأمر يتعلق بحركة عابرة للأوساط الاجتماعية. إنها حركة شعبية يدعمها 70 في المائة من الفرنسيين، رغم أننا نعيش أربعة أسابيع من العنف.

سنرى ما سيُخرجه رئيس الجمهورية من جعبته، لكن شخصيا أعتقد أنه سيكون حينها قد فات الأوان. سيخسر ماكرون المعركة. الرجل أصبحت له شعبية متضعضة جدا. على العكس من ذلك، هذه الحركة تحظى بدعم وطني وبتأييد جميع المناطق.

ما الذي يمكن القيام به لإنقاذ الديمقراطية في ظل أزمة النظام الديمقراطي؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع. ليست لدينا وصفات سحرية. لقد زجوا بنا في وضعية معقدة وصعبة للغاية. هناك بعض التوجيهات التي يمكن تطبيقها بشكل استعجالي، إذا أردنا تجنب تنامي حركات اليمين المتطرف والحركات الرجعية بوتيرة سريعة.

أولا، يجب إعادة توجيه البناء الأوروبي، لأن الاتحاد الأوروبي في وضعه الحالي يضعف النظام الديمقراطي، لهذا هناك عجز ديمقراطي أوروبي. يجب علينا تقوية الديمقراطية.

كما ينبغي تعزيز ميثاق الاستقرار الأوروبي بميثاق النمو، وذلك بالسماح للدول الأعضاء باعتماد سياسة اقتصادية أكثر مرونة وسلاسة أمام الاستثمار من أجل خلق فرص الشغل. مثلا، إسبانيا تحتاج إلى 4 ملايين وظيفة، لكن الحكومة لا يمكنها القيام بأي شيء لأن حبل المفوضية الأوروبية ملتف حول عنقها. مثلا، عندما أراد رئيس الحكومة الإسباني، بيدرو سانشيز، رفع الحد الأدنى للأجور إلى 900 أورو، انتقده الأوربيون بشدة. وهذا غير مقبول… من يستطيع العيش في برشلونة أو مدريد بـ900 أورو.

هل يجب تقوية الاندماج الأوروبي؟

أوروبا هي القارة الوحيدة التي تمتاز بخاصيات سريالية: أولا، هي القوة الاقتصادية الرئيسة في العالم وليست لديها زعامة سياسية. مثلا، الولايات المتحدة الأمريكية والصين والبرازيل والهند وروسيا كلها لديها زعامات سياسية. سنة 2008، وإبان الأزمة الاقتصادية، فرَضَ بوش في البداية، وبعده أوباما، إعادة توجيه سياسة نظام الاحتياط الفيدرالي (جهاز حكومي فيدرالي، يعمل في الولايات المتحدة عمل البنوك المركزية في الدول الأخرى من العالم)، لكن في أوروبا ليس هناك من يستطيع تبني مثل هكذا سياسة. لدينا مجلس أوروبي غير قادر على اتخاذ أي قرار. ثانيا، لدينا برلمان أوروبي لا سلطة له، برلمان لا يسن القوانين…

لا أتحدث من فراغ، بل أتحدث انطلاقا من تجرتبي كنائب أوروبي. لقد كان لدي صديق أوروبي يقول: “نوجد في برلمان للحديث من أجل الحديث (parlare, parlare, parlare)..”. يجب أن يكون لدينا برلمان يستطيع فرض الرقابة على المفوضية الأوروبية. نحتاج إلى أوروبا سياسية وأوروبا اجتماعية بهدف تجنب التراجع الخطير جدا إلى القومية، التي أصحبت مصدر تهديد من كل الاتجاهات.

صُدم المواطنون في كتالونيا بتورط شباب ولدوا وترعرعوا بإسبانيا في اعتداءات برشلونة في غشت 2017…

ما حدث في كتالونيا يمكن أن يحدث في جميع المناطق. الواقع هو أن هناك مشكلا هوياتيا عالميا. هؤلاء الشباب ينحدرون من عالم الدين فيه له دور مهم. احتكاك هذه الهوية مع هوية البلد، الذي يعيشون فيه، دوما ما يكون صعبا. والنتيجة كانت أنهم تحولوا إلى متعصبين وقنابل إنسانية في يد حركات إجرامية وإرهابية، والتي جاءت نتيجة لتدمير العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية… تدمير العراق جاء بعد التدخل العسكري الأمريكي والبريطاني بدعم من إسبانيا… لهذا يُنظر إلى إسبانيا كهدف لداعش. ولذلك أنا لا أعتقد أنه من الصواب ربط ما قام به هؤلاء الشباب بأغلبية المهاجرين المسلمين. لا يمكن خلط الأمورهكذا. لأن الأمر يتعلق بشيئين مختلفين تماما. كما أنه لا يمكن الخلط بين اليمين المتطرف وباقي المواطنين الإسبان. يجب تجنب تقاطب الهويات، لأنه لا شيء أسوأ منه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.