@ برشلونة – هاجر الريسوني
الساعة تشير إلى العاشرة ليلا، درجة الحرارة تقارب 6 درجات. نسمات البرد القارص تلفح الوجوه، في ما المكان يبدو شبه موحش، باستثناء بعض الشباب الذين يقتعدون كراسي خشبية مطلة على البحر يراقبون الأضواء والبواخر وهي تغادر ميناء مدينة برشلونة على نغمات الموسيقى. كان هناك شاب لوحده يقف بالقرب من الباب المفضي للمركز التجاري الكبير لـ »مرينا ». يضع يديه داخل سترته، ويغطي رأسه بقبعة صوفية اتقاء لموجة البرد الشديد، يبدو أنه لم يكمل بعد، عقده الثاني. مررت من أمامه بشكل خاطف فناداني قائلا: « هل أنت مغربية؟ »، أجبته، نعم. انفرجت أساريره وهو يقترب مني وقال بدون قيود، « هل بإمكانك أن تقدمي لي يد المساعدة. ليس لدي مكان أنام فيه، ولا أملك حتى ثمن وجبة عشاء ». سألته: « وما الذي رمى بك بهذه البلاد؟ »، أجاب قائلا، وقد عادت ملامحه إلى ما كانت عليه من قبل، « لقد أوهموني أن الخدمة كاينة. ضحكوا علينا ». مرافقتي التي كانت بصحبتي أخبرتني أن هذا الشاب يوجد منذ شهور بالعاصمة الكاتالونية، وصادفته في مناسبات عدة يطلب المساعدة.
غير بعيد عن مكان لقائي بهذا الشاب، وفي الطريق المفضي إلى الشارع الشهير بمدينة برشلونة « لارامبلا »، كان ثلاثة شباب يبدو أن أعمارهم تتراوح بين 16 و18 ربيعا، يفترشون الأرض، ويرتدون ملابس رياضية ويطلقون تسريحة شعر على طريقة « الديك »، يدخنون بشكل جماعي سيجارة كأنها الأخيرة. ضحكاتهم تكاد تصل إلى آخر الشارع وهم يحكون عن مغامراتهم خلال ذلك اليوم بـ »لكنة » شمالية. أحد هؤلاء الشبان أخبر أصحابه أنه تمكن من سرقة حقيبة إحدى السائحات، لكن لسوء الحظ كانت تحوي فقط، قليلا من المال. لم يكن راض عن غنيمة ذلك اليوم، كان يفكر كيف سيمضي اليوم المقبل، خصوصا وأن الشرطة شددت مراقبتها مع اقتراب احتفاليات رأس السنة.
كان الناس يمرون دون أن يعيروا أدنى اهتمام لهؤلاء الشباب. يبدو أنهم ألفوا تلك الوجوه الغريبة عنهم. فرغم درجة الحرارة المنخفضة تلك الليلة، لم يغير الشباب مكانهم، الذي يمكنهم من مراقبة السماء. انتهى حديثهم وانتقلوا إلى موضوع آخر وضحكاتهم لازالت تتردد في الأفق. أخبرتني مرافقتي أنهم ألفوا تلك المشاهد، إذ هناك مشردون كثر هنا، أغلبهم من المراهقين وكبار السن، وعند سؤالها عن المغاربة، قالت لي إن هناك عشرات من المغاربة الذين توافدوا في الشهور الأخيرة على المدينة، لكنهم لم يجدوا مأوى يحميهم من شدة البرد والحر، مضيفة « أن منطق الضيافة غير موجود في أوروبا، وأن العائلات هنا نادرا ما تستقبل أفراد عائلتها الذين يأتون بطرق غير شرعية من المغرب »، موضحة أن « أول ما تفكر فيه الأسر هو كيف ستطعم أي وافد عليها؟ وأين سيقيم؟ إذ إن أغلب المنازل ضيقة ومساحتها صغيرة لا تتسع إلا لأصحابها، وهم يعلمون أنه من الصعب أن يجد أي مهاجر عملا هنا، وإذا استقبلوه ستطول الإقامة ».
وهم « الفردوس »
غير بعيد عن « بلاصا كاتالونيا »، وبالضبط أمام محل شركة « آبل »، يتجمع عشرات الشباب المغاربة، يرتدون ملابس رياضية مكتوب على ظهرها « i love u morroco » و »maroc »، كانت تسريحات شعرهم متقاربة، بعضهم يصبغ شعره بالأصفر، في ما أبقى البعض الآخر على لون شعره الأصلى. سحنتهم تختلف، إذ هناك وجوه تحيل إلى أن منهم من يتحدرون من مدن الشمال، والبعض الآخر من مدن الداخل. كانوا يحملون هواتفهم المحمولة بين أيديهم يتبادلون اللمز والغمز والضحكات. هذا المكان هو مستقرهم اليومي لما تقدمه الشركة من خدمة « wifi » مجانا.
حمزة، أحد هؤلاء الشباب، الذي قبِل الحديث إلينا، طمأناه بعدم نشر صوره أو أي معلومات عنه. لم يصل بعد إلى سن الرشد، وصل إلى إسبانيا عن طريق قوارب الموت قبل خمسة أشهر. كان ثمن وصلوه إلى « فردوس أوروبا » سرقة حلي والدته وبيعها بمبلغ 7 آلاف درهم، بعدما رفضت أسرته مده بالمبلغ المطلوب. انقطع حمزة عن الدراسة قبل سنتين بسبب رسوبه مرتين في امتحان نيل الشاهدة الابتدائية، طيلة تلك المدة سيطرت عليه فكرة الهجرة، فقد حاول « لحريك » متخفيا في شاحنة بميناء طنجة، لكنه لم يفلح. بعدها جرب اختراق حاجز مليلية، لكن الشرطة كانت له بالمرصاد، حيث تم اعتقاله وأعادته إلى مدينته الأصل.
يقول حمزة في حديثه لـ »أخبار اليوم » إن سبب إصراره على الهجرة قبل أن يصل إلى سن 18 سنة، هو ما عرفه عن القانون الإسباني الذي لا يعيد المهاجرين السريين القاصرين إلى بلدانهم وتتكلف بهم الحكومة وتستقبلهم في مراكز الاستقبال وتوفر لهم الإيواء والمأكل والمشرب وتسجلهم في دورات تكوينية لتعلم اللغة الإسبانية وبعض الحِرفِ ». لكن عند وصوله إلى إسبانيا لم تستقبله هذه المراكز، ووجد نفسه في الشارع بدون مأوى، ويضيف « في البداية وجدت صعوبة في الاندماج والتأقلم مع هذا الواقع الجديد عني، ما جعلني أفكر وبشكل جدي في العودة إلى المغرب. لم أستطع الألفة مع حياة الشارع القاسية، رغم ذلك تمكنت من نسج علاقات ودية مع شباب يعيشون الوضعية نفسها التي أعيش. واليوم، نحن نعيش في إطار جماعي ونتشارك كل شيء ».
لم يجد حمزة وأصدقاؤه عملا، فكل المهن التي كانوا يسعون إلى البحث فيها يرفض أرباب عملها تشغيلهم لأنهم لا يتوفرون على أوراق الإقامة، نظرا إلى أنهم قاصرون، ثم إن القانون الإسباني يُعاقب على تشغيل القاصرين، وهو ما اضطره وأصدقاءه للعمل لصالح أحد الأشخاص الذين يتاجرون في المخدرات، إذ هم من يوزعونها بدلا عنه في الأحياء، وكذا لدى بعض السياح الأجانب، مقابل قليل من المال، وقليل من المخدرات يستهلكونها لحسابهم. يقطن حمزة هو وأصدقاؤه في إحدى شقق « البنك »، حيث قاموا بتكسير قفل الباب وتغييره، بالإضافة إلى التحايل على سرقة الكهرباء. هذه البيوت، حسب المعلومات المتوفرة، هي مملوكة للأبناك، لكن لا يقطنها أحد، وأغلب المهاجرين الذين لا يجدون مأوى يأوون إليها.
الهرب إلى الشارع
عكس حمزة، الذي قال إنه لم يجد مأوى، كان أمين الشاب الذي يبلغ من العمر 17 ربيعا ويتحدر من مدينة القنيطرة جد محظوظ، إذ بعد وصوله إلى المياه الإسبانية أخذته الشرطة نحو مركز استقبال القاصرين بمدينة « خيرونة »، حيث احتضنوه هناك ووفروا له مكانا يأويه، فضلا عن ملابس غير التي كان يرتديها ووجبات مجانية، كما تم تسجيله في دورة لتعلم اللغة، لكن هذا الأخير لم يتحمل الحياة النظامية المنضبطة التي أصبح يعيشها. بعد أشهر من مكوثه في المركز، هرب ليجد نفسه مجددا في الشارع. أمين مدمن مخدرات حتى قبل قدومه من المغرب، لكن في المركز كان يُمنع عليه التدخين أو تناول أي جرعة من المخدرات، إذ كان مسؤولو المركز يُخضعونه لفحص طبي دوري، وهو ما عجل بضجره مقررا الهروب.
يعيش أمين، حاليا، في الشارع رفقة مجموعة من القاصرين المغاربة، الذين وصولوا إلى الديار الإسبانية بطريقة غير شرعية. نشاطهم اليومي، هو السرقة وفي بعض الأحيان يضطرون إلى بيع لحمهم لتوفير المال، لمّا تكثف الشرطة من حملاتها ضد النشالين، إذ يضطر رفقة صديق له ممارسة الدعارة، يقول أمين في حديثه لـ »أخبار اليوم »، موضحا أنه « ابتداء من العاشرة ليلا في شارع « لارامبلا » يجتمع هناك شواذ وعاهرات، خصوصا وأن المكان معروف لمن يريد البحث عن الجنس، ويضيف أمين أنه يحتقر ذاته من هذا السلوك المشين، لكنه لم يجد بديلا عنه وأن السرقة قد تعرضه للسجن، لكنه يعود ليقول إنه على الأقل ليس هو من يُمارس عليه الجنس، بل هو الفاعل.
صديق أمين، الذي كان يقف بجانبه كان يبدو خجولا، بشرته بيضاء، لون عينيه يميل إلى البني، له عضلات مفتولة يرسم على شفتيه ابتسامة مترددة، يحمل سيجارة في يده دون أن يدخنها، تدخل أثناء حديثنا مع أمين ليقول إنه قبل أن يمارس الدعارة، تعرض للاغتصاب داخل المركز من طرف أحد المشرفين، مشيرا إلى أنه كلما تقدم أحد الإسبان طلبا لممارسة الجنس عليه، ينتابه إحساس بالسعادة لأنه يشعر أنه ينتقم من ذاك الذي اغتصبه.
وتابع المتحدث ذاته أنه « كان يعتقد أنه حين سيأتي إلى أوروبا سيجد عملا قارا وسيعيش بكرامة هنا، لكن العكس هو الذي حدث »، ثم يضيف « لا أستطيع العودة للمغرب وأنا لم أحقق أي شيء. لا أستطيع سرد ما حدث لي لأهلي وأصدقائي، لأنهم لن يصدقوا أنني لم أجد عملا في إسبانيا »، يقاطع حديثه أمين، « أفضل الموت هنا على أن أعود للمغرب مطأطأ الرأس، على الأقل هنا تستطيع تدبير المال بأي طريقة، وليس كما هو الحال في المغرب ».
الصديقان يعتبران أن وضعهما أفضل حال من عدد من الشباب المغاربة الذين قدموا إلى هنا ويعيشون حياة التشرد. يقول أمين: « ليس كل شاب يستطيع القيام بما نقوم به من أجل المال، هناك من سيتعرضون للاستغلال دون مقابل »، مضيفا أن « أغلب القاصرين لصوص يسرقون في محطة الميترو أو في الأماكن المزدحمة بالسياح ». وحسب المعلومات التي استقيناها من الشرطة الإسبانية، فالأشخاص الذين ينشطون في مجال النشل في مدينة برشلونة هم من الجنسيات المغربية والجزائرية والرومانية.
الخروج نحو المجهول
لعمر قصة مغايرة عن سابقاتها، فقد ظل في المركز الموجود بالقرب من مدينة « ستجي »، التي تبعد عن برشلونة بحوالي ساعة، حيث تم استقباله سنة 2017. عاش طيلة سنة ونصف تحت رعاية المشرفين على المركز، حيث درس تخصص ميكانيكا في التكوين المهني هناك وتعلم اللغة الإسبانية، لكن بعد بلوغه 18 سنة وجد نفسه مضطرا للخروج إلى الشارع والبحث عن مكان يأويه. عمر، حسب ما حكى لـ »أخبار اليوم »، لم يألف الحياة لوحده هنا في برشلونة، كان المساعدون الاجتماعيون هم من يسهرون على كل احتياجاته، من أوراق الهوية إلى شهادة السكنى وما إلى ذلك، لعمر مهلة شهر للبحث عن مكان آخر ينتقل إليه.
خلال هذه الأسابيع كان يبحث عمر عن عمل، لكن دون جدوى، وذلك بسبب أوراق الإقامة كشرط للتشغيل. في المقابل، يرى عمر أن عمل هذه المراكز ناقص، فرغم استفادته من التعليم واحتضانه لما يزيد عن سنة، لكنها تتخلى عنه وتتركه وجها لوجه أمام المجهول.
إحدى العاملات في المركز التي تعمل كأخصائية اجتماعية، وهي من أصل مغربي، قالت في حديثها لـ »أخبار اليوم »، إن قانون المركز يفرض عليهم عدم التكفل بكل من تجاوز سن 18 سنة، موضحة أن المركز يوفر لهم التكوين وتعلم الحِرف ليهيئهم للتعامل مع سوق الشغل والعالم الخارجي، لكن الكثير منهم يجدون صعوبة جمة في الاندماج، تقول هذه الأخيرة. لكنها تعود لتؤكد أن عددا من العاملين هنا يتكفلون بحالات ويوفرون لهم المأوى خلال الشهور الأولى حتى يتدبرون أمورهم بأنفسهم.