الإرهاب في إمليل... من أين دخل؟

28 ديسمبر 2018 - 12:45

مع تفجيرات 16 ماي 2003 الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء، طرح موضوع الإرهاب على طاولة البحث لصياغة مقاربة مغربية لفهمه ومواجهته.

في خضم الجواب عن هذا السؤال، دخلت السياسة على الخط، وحاولت بعض الجهات أن تضع النموذج السلطوي خارج نطاق المسؤولية، وذلك بتوجيه الاتهام لفاعلين سياسيين بالمسؤولية المعنوية عن الإرهاب، حتى يصبح الدفاع عن النفس بديلا عن نقد النموذج السلطوي.

الدولة، لم تساير هذا الطرح، واستثمرت زمن التدافع السياسي والإيديولوجي المندلع على خلفية الحدث، لبناء رؤيتها ومقاربتها المسماة «مندمجة».

اتجهت لتجديد الحقل الديني، وضبط مخرجاته الدينية، وتبنت من غير حرج المقاربة السوسيوـ اقتصادية، دون أن تغفل بعض الأبعاد النفسية في المقاربة (تقليص مساحات الفراغ عند الشباب وملئها من خلال ملاعب القرب، أو العودة إلى المدرسة، أو سياسة الفرح)، مع التركيز على الدور الأمني وتطوير كفاءته وتبني استراتيجية استباقية.

وحتى نكون دقيقين في التوصيف، فإن المغرب منذ أحداث الربيع العربي وما تلاه من تفاعل الدولة مع تطلعات الحراك، لم يشهد أي عملية إرهابية، بل، تكاثف الطلب في هذه الفترة على نموذجين اثنين نجح المغرب في مدهما بأسباب الإشعاع الخارجي: النموذج الديني، والنموذج الأمني.

ماذا الذي حصل في هذا المسار، حتى يتعرض المغرب لحادثة إرهابية مؤلمة، انتهت بقتل بشع لسائحتين نرويجية ودنماركية؟ وهل توفر معطيات عن انتساب المشتبه فيهم لتنظيم الدولة الإسلامية يعرض هذا المسار للنسف؟ أم إنه يطرح مجرد أسئلة تتطلب تطعيم النموذج المغربي في مواجهة الإرهاب؟

البعض وجدها فرصة لتبني أطروحة متقادمة ترمي بالكرة في ملعب فاعلين سياسيين، والبعض بلغ به الحمق درجة استعادة الأسطوانة القديمة في اتهام «العدالة والتنمية» بإيواء الإرهابيين، ومحاولة الربط المقصود بين التهديد الإرهابي الذي تعرض له المغرب، وبين مسؤولية مفترضة للإسلاميين في مقتل الطالب أيت الجيد.

يبدو أننا نعيش على الإيقاع نفسه، الذي عرفه المغرب غداة تفجيرات 16 ماي الإرهابية، وأن ثمة جهة ما لا تريد أن نتوجه إلى المستقبل بطرح أسئلة على الظاهرة تساعد على تلمس جوانب الخلل في المقاربة، وأوجه استدراكها.

سنحتاج أن نطرح أسئلة على النموذج الأمني إذا تطور التحقيق وكشف أن الأمر يتعدى الانتماء المبكر لتنظيم داعش، وأن هذا التنظيم اخترق الجدار، وصارت له إمكانية الضرب المؤلم داخل التراب المغربي.

الإفادات التي قدمت لحد الآن، وإن كانت تؤكد الخلفية الداعشية للمشتبه في ارتكابهم الجريمة، إلا أنها في المقابل، ترجح فرضية القرار الشخصي، وعدم تلقي أي تعليمات من تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق أوسوريا أوحتى ليبيا، هذا مع عدم نفي مبايعة المشتبه في ارتكابه للجريمة لتنظيم «داعش». وفي المقابل، فإن المصادر الأمنية الدنماركية والنرويجية تقدم رواية مختلفة.

مبدئيا، المصادر الأمنية الدنماركية والنرويجية، أبعد من حيث المسافة من الحدث ومن المعلومات أيضا، لأن الأمر يتعلق بمواطنين مغاربة، تمتلك الدوائر المغربية معطيات أكثر عنهم، لكن ما يهمنا في هذا الصدد، أن نؤكد بأن الاعتبارات المتعلقة بمتطلبات الأمن وإدارة المعلومة إعلاميا، وإن كانت تتدخل في الموضوع، فإنها لن تمنع من طرح السؤال حتى بالافتراض الذي تقدمه المصادر الأمنية المغربية الأمن، هو الأمن في كل بلاد الدنيا، حتى ولو اضطر لممارسة بيداغوجيا الطمأنة، وهذا واجبه، ولا يمكن أن يتخلى عنه، لكن في نهاية المطاف، فإن الطمأنة لا تنتهي إلى ما ينافي الحقيقة.

أن نثبت اختراق “داعش” للمغرب ولو جزئيا، فهذه مشكلة وتحدي خطير، وأقصى ما يمكن أن ننتهي إليه في هذه الحالة، هي وضع النموذج الأمني محل مساءلة، مع أنه الجانب الأكثر أداء في مقاربة الدولة المندمجة، لكن المشكلة الأكبر من ذلك، هي أن تستمر الفوارق المجالية والاجتماعية والفئوية، وألا نسعى إلى الجواب عن سؤال أين الثروة ونحن ندرك جميعا، أن هناك فئة تغتني دائما رغم كل الظروف، وأن الفئة الأوسع من المغاربة تزداد فقرا، وندرك فوق هذا وذاك، أن النموذج الديمقراطي المغربي المتردد، ما أن يصل إلى مباشرة الجواب عن هذه المفارقة، حتى تدهمه موجات النكوص والردة. فهذه هي الوضعية الخطيرة التي تخلق الشروط التي تستغلها التنظيمات الإرهابية للتمدد وتوسيع تجنيدها، ولن يكون بإمكان أي نموذج أمني كيف ما تطور أن يواجه تبعاتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.