السودان بين نارين

28 ديسمبر 2018 - 13:15

تشهد السودان، منذ 19 دجنبر الجاري، احتجاجات غاضبة عمّت معظم مدن البلاد، اندلعت بسبب الزيادة في أسعار الخبز، والنقص المتواصل في الوقود، وزادها امتناع البنوك عن تمكين المواطنين من السيولة النقدية توترا وغضبا على تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، قبل أن تتطور إلى المطالبة برحيل الرئيس، عمر البشير، ونظامه الذي عمّر 30 عاما.

ويبدو أن الغضب يتفاقم، بعد سقوط قتلى وجرحى، وإعلان حالة الطوارئ في معظم الولايات، واعتقال المئات بعد دخول الجيش على الخط، وإعلان المعارضة مسيرة مليونية اليوم الجمعة شعارها الرئيس: رحيل النظام.

بعض المحللين يرون في السودان شرارة جديدة تعيد إلى الأذهان احتجاجات الربيع العربي سنة 2011، بالتزامن مع ذكرى مرور 8 سنوات على وفاة البوعزيزي، الذي كان الشرارة التي أسقطت أنظمة، وهزّت عروش أنظمة أخرى، قبل أن تشنّ الثورة المضادة هجومها الذي أدى إلى سقوط دول أخرى في الفوضى والعنف.

لكن، على خلاف ثورات 2011، تبدو لي احتجاجات 2018 «مخدومة» من قبل دول عربية معينة تريد فرض رؤيتها ونفوذها على دول أخرى، من خلال استغلال الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. ظهرت مؤشرات ذلك في احتجاجات الأردن، واليوم تظهر بكل وضوح في احتجاجات السودان، ولا يبدو لي أن المغرب بعيد عن السيناريو نفسه.

يدفع النظام السوداني اليوم ثمن اللعب على حبلين؛ حبل السعودية والإمارات ومصر، وحبل قطر وتركيا وإيران. لقد كان واضحا منذ أن قرّر منح جزيرة «سواكن» في البحر الأحمر لتركيا، بحجة الترميم وإعادة التأهيل، أنه سيدفع الثمن مضاعفا، خصوصا بعدما تبيّن أن ضمن مشاريع التأهيل بناء ميناء بحري مدني عسكري في الجزيرة، التي توجد على مسافة قصيرة من السعودية، حيث خلّف الاتفاق السوداني التركي غضبا قويا في السعودية ومصر والإمارات، عكسته وسائل الإعلام المحلية في تلك الدول.كل المؤشرات، إذن، تفيد بأننا إزاء حالة صراع مشتعلة بين محورين؛ تركيا وقطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة ثانية، ومن خلال الوقائع يظهر أن المحور الأول يُحقق مكتسبات، فيما يحقق الثاني الخسائر والتراجعات. منذ 2011، بات الوجود العسكري والأمني التركي يحاصر المحور السعودي الإماراتي من جهة الغرب، عبر قاعدة عسكرية نشيطة في الصومال، وأخرى يجري إنشاؤها في السودان، ومن جهة الشرق عبر قاعدة عسكرية نشيطة في قطر، واتفاقيات دفاع مشترك مع الكويت وعمان.

وخلال سنة 2017، أرسلت تركيا نحو 35 ألف جندي بحجة منع هجوم محتمل على قطر للإطاحة بالنظام السياسي، وهي واقعة جعلت الدول الخليجية الصغرى تنظر إلى تركيا باعتبارها حاميا حقيقيا من تغول السعودية و«دسائس» الإمارات، وهكذا بادرت الكويت وعمان إلى توقيع اتفاقيات عسكرية مماثلة. وقبل أيام، كشف تقرير عسكري تركي أن سلطنة عمان تعتبر المستورد الثالث عالميا للسلاح التركي بعد أمريكا وألمانيا.

لهذه الأسباب، باتت بعض الدول العربية القريبة من السعودية والإمارات تحت الضغوط، وربما ساحة للمناورات والدسائس والابتزازات، ففي اليوم الذي اندلعت فيه احتجاجات الأردن لأسباب اقتصادية معقولة، صرّح الملك عبد لله الثاني بأن بلاده تدفع ثمن مواقفها، وكانت الإشارة واضحة إلى أنه يعترض على صفقة القرن التي روّجها الرئيس الأمريكي، بتنسيق مع السعودية والإمارات ومصر، لتسوية القضية الفلسطينية. لكن، خلال تلك الفترة أيضا، رأينا كيف أن التقارب الأردني التركي كان على طاولة النقاش (إلغاء اتفاقية التبادل الحر)، ويجب ألا نغفل، في السياق نفسه، الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية ضد المنتجات التركية.

لكن، يبدو أن النظام السوداني، الذي ظل يرقص فوق حبال متعارضة عدة عقود، غض الطرف عن التحول الجديد، أو اختار عن قناعة الانخراط في المحور التركي القطري، لاعتقاده بأنه قد يعود عليه بمكاسب اقتصادية وعسكرية وأمنية، بدل الاستمرار في لعبته المفضلة دون عوائد حقيقية. والراجح أنه اختار طريقه، حتى لو كان الثمن هو الفوضى والعنف، وتلك رسالة الرئيس عمر البشير من وراء زيارة بشار الأسد في سوريا، وكذلك رسالة قيادة أركان الجيش التي أعلنت التفافها حول البشير. فهل ينجح في هذا التحدي، ويصبح ثالث الأضلاع في المحور القطري التركي، أم يكون مصير السودان كمصير اليمن؟ الأيام المقبلة قد تحمل الجواب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.