عام إغلاق القوس

30 ديسمبر 2018 - 13:51

فعلا، كانت سنة 2018 سنة إغلاق القوس الديمقراطي، الذي فتح في 2011، بإحكام. قوس آخر أوصدت أبوابه بعنف، وأغلقت منافذه بالشمع الأحمر، هو القوس الحقوقي الذي فتح مع مجيء الملك محمد السادس إلى الحكم في 1999، وتوج بإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة في 2004. ولم تكن مصادفة أن تشهد آخر أيام هذه السنة مسيرة نظمها مختلف الطيف الحقوقي المغربي للمطالبة بتطبيق توصيات هذه الهيئة.

صحيح أن القوس الديمقراطي عرف ردات نكوصية مع إخراج حزب الاستقلال من الحكومة في 2013، وإدخال أخنوش إلى المعمعة في 2016، حيث تبين أن إرادة المغاربة المعبر عنها في صناديق الاقتراع لا تساوي شيئا أمام إرادة أخرى. إلا أنه، في سنة 2018، تأكد أن الحكومة باتت مجرد مكتب للمناولة (la sous-traitance)، وما حكاية الساعة الإضافية التي تحمل العثماني وزرها، بصمت وصبر غير محتسب، إلا دليل على ذلك.

أما القوس الحقوقي الذي عرف تراجعات كبيرة خلال سنة 2014، حين وجه وزير الداخلية السابق، محمد حصاد، من البرلمان، اتهامات خطيرة إلى جمعيات حقوق الإنسان بتلقي تمويلات من الخارج للقيام بأعمال مضرة بأمن المغرب وبصورته، دون أن يقدم دليلا عليها، فقد وصل هذه السنة إلى مستوى غير مسبوق من الانتهاكات الممنهجة (التعريف الدولي للانتهاكات الممنهجة هو أنها تكون متكررة ومتواترة). وإذا كانت الأمثلة على ذلك بالمئات، فسأكتفي بنموذج صارخ؛ رجال سلطة يرفضون منح وصولات الإيداع لأزيد من 50 جمعية حقوقية، أسست أو جددت هياكلها، على امتداد التراب الوطني، ويقولون لمسؤولي تلك الجمعيات: «نعم.. نحن نخرق القانون، ويمكنكم التوجه إلى القضاء». لماذا؟ لأن السلطة تعرف الكلفة الزمنية والمالية المرهقة للجوء جمعية مزعجة إلى القضاء، الذي غالبا ما ينتصر لهذه الجمعيات، ومع ذلك لا تجد الأحكام طريقها إلى التنفيذ (حوالي 25 حكما كان لصالح الجمعيات الحقوقية).

في هذه السنة، عرف المغرب تراجعا عن السنة الماضية في كل هذه المؤشرات؛ مؤشر حرية الصحافة، حيث احتل المركز 135، واحتلت موريتانيا –على سبيل المقارنة- المركز الـ72. تراجع المغرب أيضا في مؤشر الحكامة، الذي يقيم كفاءة الحكومة والديمقراطية والمشاركة السياسية، وتراجع في مؤشر التنمية البشرية، وتراجع في مؤشر محاربة الفساد، حيث سجل تقرير «ترانسبارنسي» أن أكثر القطاعات تضررا من الفساد في المغرب هو القضاء، وتراجع في المجال المعرفي، بـ17 درجة عن السنة الماضية، وتراجع في مؤشر الرفاهية الاجتماعية عن 2017، وتراجع في مؤشر بيئة الأعمال، الذي يشمل البنيات التحتية للأعمال ومرونة سوق الشغل ومعوقات الابتكار…

في 2018، أقفل قوس التساهل مع منتقدي المؤسسة الملكية. فما هي إلا أيام بعد خروج محمد الساسي مصرحا: «انتهى الوقت الذي كان يُقال فيه إن الملك مزيان والمحيطين به هوما اللي خايبين. الآن، الناس تُحمل المسؤولية للملكية»، حتى اعتقل الشخصان اللذان وزعا الشريط الوقح الذي تطاول فيه الممثل البشير السكيرج على الأسرة الملكية، لكن المعنيين توبعا بتهمة السرقة، وليس بتهمة الإساءة إلى الملك. واعتُقلت عزيزة الحمري، التي حملت الملك مسؤولية هدم كاريان الواسطي بالدار البيضاء، لكنها توبعت بتهمة الاتجار في المخدرات، وليس بتهمة إقحام الملك في موضوع لا علاقة له به. كما حُلت جمعية «جسور» التي احتضنت نقاش «ملحمة العدميين»، والذي وجهت فيه انتقادات غير مسبوقة إلى المؤسسة الملكية. في هذه السنة أيضا صدرت أحكام صادمة في حق الصحافيين حميد المهدوي وتوفيق بوعشرين، وقد قالت شخصيات سياسية وحقوقية وازنة إن الحكم لم يكن بسبب الدبابات أو الفتيات، بل بسبب الخرجات المحرجة للأول والافتتاحيات المزعجة للثاني. إن هذه المتابعات وتلك الأحكام أفرغت ما قاله مصطفى الرميد، في 2015، عن أن «السياسة الجنائية التي نهجها المغرب لا تدع مجالا لمعاقبة شخص لأنه تحدث عن الملك»، وأن «الملك أمر بعدم متابعة أي مواطن انتقده، أو حتى تحدث عنه بسوء، لأنه لا يريد أن يقمع المغاربة، لكنه يريدهم أن يحترموه» من أي معنى.

2018 هي سنة مراكمة النيابة العامة الكثير من الأخطاء، بعدما خرجت من يد السلطة التنفيذية، وأصبحت مسطرة مساءلتها من لدن البرلمان معقدة. وهي سنة إحراج كبير للقضاء المغربي الذي أدان صحافيين في قضايا عرضت أيضا على القضاءين الإسباني والفرنسي فأصدرا فيها أحكاما بالبراءة. ولعل آخر إحراج لقضائنا يتجلى في الأحكام المخففة في حق نشطاء السترات الصفراء بفرنسا، في الوقت الذي وصلت فيه الأحكام ضد معتقلي حراك الريف إلى 20 سنة. محرج لقضائنا أيضا أن تخرج شخصية حقوقية، من قامة عبد العزيز النويضي، للقول: «أنا أخجل من أن أنتمي إلى دولة تشمع بيوت العدل والإحسان».

أكيد، ثمة إنجازات مهمة تحققت في هذه السنة، لكن مهمة الصحافي هي مراقبة الاختلالات والتراجعات، والنظر إلى النصف الفارغ من الكأس، أما النصف الممتلئ فهو مسؤولية المسؤولين.

ختاما، يجب أن ننتبه إلى أن إقفال القوس الديمقراطي والحقوقي حدث في 2018، السنة التي صادفت مرور 60 سنة على صدور ظهير الحريات العامة، الذي يعتبر مكسبا تاريخيا في مجال الحرية والتعددية السياسية، وأن ننتبه أيضا إلى أنه في سنة 2018 أطلق المغاربة ملحمة المقاطعة الشعبية، وهي صرخة احتجاج في وجه معادلة زواج المال بالسياسة بغرض التحكم في البلاد والعباد.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.