قال الاقتصادي نجيب أقصبي، إن حملة المقاطعة أبرز حدث اقتصادي في 2018.
كيف ترى عام المغرب الزراعي في 2018؟ خاصة بعد الاحتفاء الرسمي بارتفاع المحاصيل؟
أولا، دعنا نذكر الجميع بأن اقتصاد المغرب مازالت تحركه التقلبات المطرية بعد أزيد من 60 سنة من تاريخ الاستقلال، والواقع أن هذا العام كانت فيه الأمطار في مستوى جيد، وبالتالي المحصول كان هو الآخر جيدا. لكن رغم ذلك، لم يكن وقع هذا الموسم بنتائجه المرتفعة إيجابيا على الاقتصاد المغربي برمته، والغريب في الأمر أنه عادة يكون ظاهرا.
المثير أيضا أن الزراعة في المغرب كانت قبل مخطط المغرب الأخضر خاضعة للتقلبات الجوية والمناخية، وبعد إطلاق المخطط، بقي القطاع خاضعا له وهو الأمر الباقي إلى اليوم، لذلك مازال كل شي لصيقا بحجم التساقطات فقط، وهو ما يعني أن المخطط لم يستطع بعد عشر سنوات، أن يحصن القطاع ويعطيه حدا أدنى من الاستقلالية عن هذه التقلبات. ما يعني في نظري أنه ما من أهمية لإحصائيات وزارة الفلاحة، فهي في مكان والواقع على الأرض في مكان آخر..
تحدثت عن مخطط المغرب الأخضر، تفشى الحديث عن فشله وعدم تحقيقه ما كان مرجوا بعد عشر سنوات، كيف تعيد القراءة في المخطط؟
اليوم وفي إطار المخطط إذا وقفنا على قسمي الحوامض والزيتون في القطاع الفلاحي، وتفحصنا الأرقام على أرض الواقع، سيتبين بشكل صريح أن الأراضي المزروعة توسعت، والإنتاج كان محترما، بسبب دعم الدولة، عن طريق صندوق التنمية الفلاحية، إذ أُغرق كبار الفلاحين بالدعم، ما مكنهم من توسيع المساحات في الحوامض وأشجار الزيتون. لكن في منظور المغرب الأخضر، كان الأمر في سبيل الرفع من حجم الصادرات، وهذا ما لم يتحقق، لذلك عندما يضع البرنامج هدفا نصب عينه، التقييم الموضوعي يفرض علينا حينها طرح سؤال بسيط، هل بلغ المخطط هذا الهدف؟ طبعا لا.. المشكل يكمن في أن الدولة خصصت دعما من المال العمومي، ودعمت به المنتجين لرفع إنتاجهم، لكن ماذا بعد؟ أين تحسن مدخول المزارعين وماذا عن التصدير؟ للأسف وضعنا يمكن أن نعبر عنه بالمثل الدارج «بقينا لا حمار لا سبعة فرانك»..
حسنا.. لنترك الفلاحة جانبا، دعنا نتحدث عن قطاع آخر، كيف ترى ملف مصفاة سامير، علما أن عام 2018 كان صعبا في قطاع المحروقات؟
سنة 2018 كانت سنة حقيقة، لأنها عرت على مسلسل انطلق قبل ذلك في 2014، مع التحرير العشوائي الذي أطلق بلا آليات للرقابة، والجميع كان يعرف حينها أن قطاع المحروقات قطاع متحَكم فيه، أي أن ثلاث إلى أربع شركات تفعل فيه ما تشاء. وبعد كل هذه المعطيات، نضيف توقيف معلمة سامير التي تعتبر من المجوهرات التي يتوفر عليها المغرب منذ الاستقلال.
إن مسؤولية الحكومة ثابتة تاريخيا في هذا الملف، لم يكن من الجائز إهداء قطاع حيوي واستراتيجي لـ»كمشة» من اللوبيّات. لقد نبهنا مرارا وتكرارا في الوقت المناسب إلى أن المصفاة في خطر، ولا يجب التفريط فيها وتركها تسير إلى الهاوية، لكن الحكومة فعلت ما يحلو لها، واليوم الأمور صارت مكشوفة أكثر من ذي قبل، وسنة 2018 بينت وقع ما آلت إليه المصفاة.
لا يمكن ألا نتحدث عن 2018 دون ذكر حملة المقاطعة، أليس كذلك؟.
في الحقيقة إنه الحدث الأبرز في 2018، إنها سابقة في تاريخ المغرب، والمغزى العميق في نظري لهذه الحملة هو التعبير الشعبي عن السخط على واقع السوق، ومستوى الأسعار فيه والاحتكار الذي يشهده. وكانت رسالة المقاطعين أيضا هي الاحتجاج على تلك العلاقة غير الطبيعية بين المال والسلطة، فاختيار الشركات الثلاث لم يكن عشوائيا أبدا، لكل شركة دلالة معينة، لذلك رجاءً.. يجب أن نكون في غاية الوضوح هنا.. إن القاسم المشترك فيما بين الشركات المُقاطعة، هو أن لكل واحدة منها علاقة مع السلطة. والجميل أيضا في هذه الحملة أن المغاربة خاضوا احتجاجا قويا ومؤثرا، بلا أن يضعوا أنفسهم في موقع المواجهة والتعرض للقمع، فبعد الحراك الذي شهدته عدة مناطق ومدن مغربية، وكل ما تعرض له المواطنون من حملات قمع للاحتجاج، كان أسلوب المقاطعة قويا ومعبرا عن رفضهم لما يرون أمامهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مواجهة الأساليب القمعية في الشوارع. لذلك هذا هو الحدث الأقوى في 2018، والمغاربة ابتكروا أسلوبا احتجاجيا جديدا للدفاع عن مصالحهم، وهو ما يمكن اعتماده مجددا كلما دعت الضرورة إلى ذلك. إنه أسلوب فعال وذكي، وأنا أتوقع تكرار الأمر مستقبلا.