قال المؤرخ والأستاذ المعطي مُنجب، أن أمنيته في 2019 أن تتحقق العدالة الاجتماعية، وأن يستطيع قراءة عدد «أخبار اليوم» الصادر يوم 1 يناير 2020.
القيم التي أعزها هي الحرية والعدالة والانتفاض ضد الظلم، ولهذا فإنه لدي في بداية السنة هذه نوعان من المتمنيات:
أولا، متمنيات يمكن تحقيقها نسبيا بسهولة، لأنها أولا لا تتطلب وسائل مادية ضخمة تتجاوز قدرات البلاد، وثانيا لأن الأغلبية الساحقة من المجتمع ستساندها أو على الأقل لن تعارضها، وهذه المتمنيات المتاح تحقيقها والتي لا تتطلب إلا إرادة سياسية قوية هي:
- أن تقرر النخبة الحاكمة فعليا لا اسميا، ألا يبقى ظلم في البلاد، فيطلق سراح كل معتقلي الرأي، وكل من هو موجود رهن الاعتقال، لأنه لسوء حظه وجد نفسه يوما ما في مواجهة لأسباب مادية أو لا مادية، مع أحد أفراد النخبة النافذة، سواء في الأقاليم أو في المركز، فتحركت الهواتف ليعتقل، وعدد هؤلاء كثير بالسجون المغربية وأغلبهم لا علاقة له بالسياسة؛ فقضاؤنا في جزء كبير منه ليس فقط تابعا للسلطة، بل كذلك مرتش ويحكم أحيانا كثيرة لصالح النافذ المتجبر، والذي حتى القاضي يخاف من أن يحكم ضده، كما أن قضاءنا يحكم أحيانا أخرى لصالح الغني الراشي. هذا فيما يخص عامة الناس، أما فيما يخص المغربيات والمغاربة الأحرار، الذين يبدون وكأنهم سابقون لعصرهم والمتشبثون بكرامتهم وحرياتهم، والذين لسبب أو لآخر عارضوا النظام السلطوي المتجبر أو انتقدوه أو كشفوا عن وسائله الملتوية والخفية في الالتفاف على الدستور والحق. هؤلاء المواطنون المظلومون أتمنى إطلاق سراحهم وباستعجال، وأعني بهم معتقلي حراك جرادة وشباب الريف، وعلى رأسهم رمز الكرامة والكلمة الحرة وسليل أسد أنوال، ناصر الزفزافي، ورفيقاه في الكفاح والمعتقل نبيل أحمجيق ومحمد جلول وغيرهما. كما أتمنى إطلاق سراح الصحفيين توفيق بوعشرين وحميد المهداوي وربيع الأبلق شهداء الكلمة الحرة وإرادة المواطنة، وكل من يوجد في السجن بسبب رأي عبر عنه في جريدة أو في مرئية/فيديو على الشبكة أو في الشارع. ليعلم الحاكمون أن الظلم قد يدفع للانفجار أحيانا، أما الظلم المكتوم أي الذي لا يمكن حتى التشكي منه فيدفع للانفجار حتما. أتمنى على من يحكمون هذه البلاد الأمر التالي: تخيلوا أنفسكم وقد قضيتم ظلما ليلة واحدة بالسجن ولتكن ليلة باردة كليلة رأس السنة، ماذا سيكون إحساسكم أيها الناس تجاه من وضعكم أو عمل على وضعكم في السجن؟.. تذكروا أن القدماء قالوا العدل أساس الحكم.
– أتمنى، كذلك، من يتولون أمور البلاد أن يحترموا مقتضيات العقد الاجتماعي الجديد، والناتج عن الربيع المغربي، والذي يعتبر دستور 2011 أهم تعبير عنه، احترموا الدستور، أي اتركوا البرلمان يشرع بكل حرية والحكومة تحكم والشعب سيرى ما هو فاعله بهم لما تحل الانتخابات، فإن نجحوا في ضمان العدل والعدالة والحريات فازوا، وإن فشلوا أُفشلوا فيخرجون للمعارضة. أما أن تبقى الفئة الحاكمة الفعلية « تمسح يديها »، فهذا لن يطول، لأن من يحكم سيحاسب في الأخير مهما كان، إما قانونيا إذا كان يحكم بالقانون، أو لا قانونيا إذا كان لا يحكم بالقانون.
ثانيا ـ هناك تمنيات أصعب ولكنها غير متعذرة طبعا، وهي ترتبط أساسا بالعدالة الاجتماعية، فالحد الأدنى للأجور ضعيف جدا وهو يقف عقبة كأداء أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا أتمنى رفعه بـ60% وهذا ممكن اقتصاديا، خصوصا إذا تم الأمر تدريجيا وخلال ثلاث سنوات، حتى تنخفض نسبة المغاربة الراغبين في الهجرة بل الهرب من البلاد، وحتى يزداد الاستهلاك فيحرك العجلة الإنتاجية بالبلاد وحتى يهتم الناس بأشياء أخرى غير القوت اليومي فتزدهر البلاد ثقافيا واجتماعيا..
– أتمنى كذلك إصلاحا عميقا في التعليم والصحة والقضاء، حيث أصبح الأول عاجزا عن مواكبة العصر بيداغوجيا، وعن مرافقة الاقتصاد تقنيا، وعن مجاراة الغير حضاريا وفكريا.
– أما الصحة فأصبح المرضى يخافون من الذهاب للمستشفى حتى لا تضاعف آلامهم الفيزيائية بآلام نفسية، وذلك لما يرونه من فضائع وإهمال تجاههم وتجاه كل المرتفقين.
– أتمنى إصلاح القضاء كذلك، فلا تنمية ولا عدالة حتى في بلاد قضاؤها منخور حتى العظم بالفساد والتبعية.
-ماذا أتمنى أيضا؟ أتمنى أن تتحقق كل أمنياتي وأن أستطيع قراءة عدد »أخبار اليوم » الصادر يوم 1 يناير 2020. فهذا لم يبق مضمونا بعد كل ما فعلوا بمؤسسها توفيق بوعشرين… ولكن كل قرائه متشبثون بخيط الأمل الرفيع، وهذا في حد ذاته يمثل قوة ضاغطة على من قرروا اعتقاله والزج به في السجن، لأنهم عجزوا عن أن يجدوا قلما يضاهيه قوة ومصداقية ومواظبة ويقارعه فكرا ومضمونا وتوجها.