مولاي هشام

16/01/2019 - 13:25
مولاي هشام

خلال أقل من شهر، أعطى الأمير مولاي هشام حوارين اثنين للصحافة الدولية، واحد لـ«فرانس 24» والثاني لـ«بي بي سي»، وكان الرابط بينهما هو إعلان رغبته في إحداث قطيعة مؤسسية مع العائلة الملكية، بعد سنوات طويلة من القطيعة العائلية مع ابن عمه، الملك محمد السادس، وسنوات أطول من القطيعة الفكرية مع أسس ومرتكزات نظام الحكم في المغرب، ابتدأت منذ عهد الحسن الثاني. وقد حكى لي الصحافي، خالد الجامعي، نقلا عن مولاي هشام، كيف أن هذا الأخير، وبعدما نشر، سنة 1995، مقالا في «لوموند ديبلوماتيك»، انتقد فيه السياسات المتبعة في المغرب، ناده الحسن الثاني، وأحضر كبار ضباط الجيش والمستشارين والوزراء، فأمسك الملك الراحل عدد «لوموند ديبلوماتيك»، ومر أمامهم واحدا واحدا وهو يسأل كل واحد منهم: «شفتي أ السي شنو كاتب.. كيقول لك حنا كنخورو»، ثم سحب الملك ابن أخيه إلى قاعة مغلقة وقال له: «لقد شربت كأس ماء كاملا، وليس جرعة ماء، لكي أبتلع ما كتبته.. هاذ المرة ها انت فلتي.. وعاودها أمولاي هشام وتشوف.. يا لله درق علي زلافتك».

لكن ما يميز الخرجتين الأخيرتين للأمير هو إعلان رغبته في ألا يبقى أميرا، وأن يتحول إلى مواطن يعيش كما يوقع مقالاته العلمية والصحافية باسم هشام بن عبد لله العلوي. إلا أن هذه الرغبة قوبلت بلامبالاة المؤسسة الملكية، التي أصبحت تتعامل معه بمنطق «ما نحبك ما نستغنى عليك». وقد حكى لي الصديق خالد الجامعي، أيضا، كيف أنه بعد مدة من وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، واتساع دائرة الخلاف بينه وبين ابن عمه، التقى فؤاد عالي الهمة، وطلب منه التوسط لإصلاح ذات بين الملك وابن عمه، فأجابه الهمة بأنه لا يتدخل في أمر كهذا، ففهم الجامعي أن مولاي هشام لم يعد مرغوبا فيه بين جدران القصر.

مولاي هشام، في مسعاه إلى أن يصبح، فقط، هشام العلوي، أغفل الإجابة عن سؤال مهم؛ هل يريد أن يتنازل عن اللقب الأميري، أم، أيضا، عن كثير من الامتيازات التي أورثه إياها ذلك اللقب، والامتيازات التي أكسبه إياها لاحقا؟ إن الجواب عن هذا السؤال سيضع أفكار الأمير الناشز على محك المصداقية والوضوح، وإلا فإن الاتهامات –بالحق أو بالباطل- لن تتوقف عن ملاحقته، من قبيل تلك التي صدرت عن القيادي الاتحادي السابق، عبد الهادي خيرات، في 2012، حين قال إن «كثيرا من مؤسسات الدولة تعرضت للنهب قبل وصول حكومة التناوب، وإن لائحة الذين كانوا متورطين تضم الأمير مولاي هشام بمبلغ مالي وصل إلى أربعة ملايير».

مسألة أخرى، لا تخلو من مفارقة، وهي أن الأمير الذي ربط، ولايزال، علاقات واسعة ومتشعبة مع صحافيين مغاربة، يرفض إعطاء حوارات للجرائد المغربية، في الوقت الذي يلتجئ فيه إلى الصحافة الدولية، وهذا يعيد إحياء السؤال الذي طرح بعدما أراد دعم أو شراء أسبوعية «لوجورنال» مشترطا ألا يظهر في الصورة، أو عندما دخل في جفاء أو سجال مع صحافيين كانوا قريبين منه: هل مولاي هشام يريد إعلاما مغربيا مستقلا وشفافا، أم يريد إعلاما تابعا له لمواجهة إعلام تابع لخصومه؟ كما يطرح سؤال: هل كان مولاي هشام، وهو يختار الظهور من خلال الإعلام الدولي، يتوجه بأفكاره إلى المغاربة أم إلى جهات خارجية بالدرجة الأولى؟ وسؤال: كيف لمن لا يحترم إعلام شعب أن يقنعه بأن أفكاره تنطلق من قناعة، محضة، بالديمقراطية والعدالة، ولم تكن مجرد غطاءٍ لحلم انكسر في 1999، ثم صارت، لاحقا، رد فعل على ذلك الانكسار؟ وسؤال: هل الصحافة المغربية للبروباغندا والأجنبية للحوار؟ إن أسئلة مثل هذه مشروعة ومطروحة بقوة وطنيا ودوليا.

لنترك هذا جانبا، ولنأت إلى الأفكار التي يطرحها مولاي هشام في حواراته ومحاضراته وكتاباته، وأقصد هنا الأفكار الخاصة، وليس تلك التي يشترك فيها مع كثير من الديمقراطيين، فثمة شيء ما ينقص هذه الأفكار، لأن الرجل الذي يعبر عن مواقف جريئة وغير مسبوقة، لا يكاد يجد، حتى داخل محيط عائلته وأصدقائه من يقتنع بها ويتبناها أرضية لمشروع سياسي بديل. قد يقول قائل إن الأمراء بطبيعتهم محافظون، لكن حتى كثير من المثقفين والصحافيين المستقلين رفضوا بعض أفكار الأمير وارتابوا فيها، خاصة الفكرة التي اقترح من خلالها، سنة 2000، تشكيل مجلس للعائلة الملكية، يراقب القرارات الصادرة عن المؤسسة الملكية، ولا يتقيد، بالضرورة، عند انتقال الحكم من ملك إلى آخر، بقاعدة تعيين الولد البكر للملك (la primogéniture)، لأن ذلك –بحسبه- بمثابة مقامرة قد لا تكون دائما محسوبة العواقب، وقد تأتي بملك مريض أو غير كفء. لقد ترجمت هذه الفكرة التي طرحها مولاي هشام بعد أقل من سنة من تولي ابن عمه الملك، كما لو أنها رغبة دفينة لديه في المنافسة في العرش. وبقدر ما استقبلها كل الأمراء والسياسيين بالصمت والارتياب، قابلها كثير من المثقفين والصحافيين بالنقد والرفض، ليس دفاعا عن الملك، بل باعتبارها طرحا تقليدانيا مستنسخا من السعودية لا يساعد في تحديث المؤسسة الملكية. ولعل هذه الفكرة كانت هي السكين الذي قطع شعرة معاوية بين الأمير وابن عمه الملك.

الحوار الذي أجراه مولاي هشام، مساء الاثنين، مع تلفزيون «بي بي سي»، انتهى فيه إلى خلاصة مفادها أن «المستنقع السياسي» الذي نعيشه اليوم تسببت فيه الأحزاب السياسية، وفي طليعتها الاتحاد الاشتراكي بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، وأن أغلب النخب المغربية، باستثناء قلة قليلة، مثل امحمد بوستة ومحمد بنسعيد آيت يدر، حالت دون إحداث قطيعة مع المخزن لحظة مجيء محمد السادس إلى الحكم، واصطفت وراء «طرح التريث»، ودافعت عن استمرارية النظام القديم.

عندما سمعت هذا من مولاي هشام، تذكرتُ ما كان الراحل امحمد بوستة قد قاله على هامش ندوة شاركت فيها، في نونبر 2014، إلى جانب المرحوم محمد العربي المساري وحسن أوريد وحسن طارق وعبد الصمد السكال. في هذه الندوة ألححنا على الراحل بوستة ليأخذ الكلام، وبعد تردد انفجر معاتبا اليوسفي بطريقة غير مسبوقة على إدارته تجربة التناوب: «اليوسفي عمل حسن النية، وما خصهاشي تكون. هو عندو حسن النية أكثر من القياس، لقد أثر فيه الكلام الذي سمعه من الملك.. كنقيّلو نحلفو عند الملك.. لكن السي عبد الرحمان تأثر بكلام الحسن الثاني عن الوطن وعن السكتة القلبية».

متتبع كتابات «الأمير المنبوذ» وخرجاته الأخيرة، يلاحظ أنه أصبح يتطرق باستمرار إلى الوضع الذي عاش فيه والده الأمير غير بعيد من شقيقه الحسن الثاني، قريبا من معارضته، وسيكون مهما لو أنه سار على هذا النهج مستثمرا وضعه الاعتباري والأكاديمي والحقوقي في إطلاق مؤسسة سياسية فكرية تحمل اسمه أو اسم والده، وتعمل على إذابة الجليد بين القصر والقوى الحية، وتحول الجفاء إلى حوار واقتراح.

شارك المقال