إشكالية الانتقال الديمقراطي

16 يناير 2019 - 13:55

الخلاصات التي خرجت بها ندوة مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حول «الانتقال السياسي في المغرب»، بمشاركة أكاديميين بارزين، والتي نشرت «أخبار اليوم» أبرز مضامينها يوم أمس، جديرة بالتأمل من لدن الفاعلين السياسيين وعموم المهتمين بالشأن العام. كان على الأساتذة والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية؛ محمد الطوزي، مونية بناني، عبد الحي المودن، سعيد بنيس، حسن طارق، محمد الأشعري، وعلي بوعبيد الإجابة عن سؤال مركزي، وهو: «إشكالية الانتقال السياسي في المغرب»، وهل لايزال هذا المفهوم ذا راهنية؟ وأين نحن من تحقيق الديمقراطية؟

أجمع كل المشاركين على أن المغرب عاش، خلال العشرين سنة الماضية، تحولات وتطورات عميقة، مست البنيات التحتية والمجتمع، وظهرت نخب جديدة وفاعلون سياسيون جدد في الهوامش، بعيدا عن تأطير الأحزاب والمؤسسات. كما أن التطور التكنولوجي واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي جعل المغاربة يتجاوزون مشكل «الأمية»، وأصبح لكل مغربي تصوره عن الحكم، وموقفه من مختلف القضايا، وأصبح الاحتجاج شكلا تعبيريا عن مطالب محلية آنية، يتجاوز النخب المحلية. كما أن «مفهوم الحكم» تطور، ولم يعد يعني التحكم في كل شيء.. لكن، في المقابل، تراجع الفاعل الحزبي خلال السنوات الأخيرة، بل جرى «تخريب الحقل الحزبي بشكل منظم»، وأصبحت الأحزاب متشابهة لا تبحث عن التمايز في ما بينها، من خلال البرامج والأفكار والإيديولوجيات، بل لم تعد مهتمة بأن تكون لها قواعد شعبية في الهوامش لتساعدها في التفاوض السياسي. بالعكس، باتت ترى أن توفرها على قواعد شعبية نضالية «عائق» لها أمام التفاوض على المواقع. لكن، هل حقق التطور السياسي انتقالا ديمقراطيا؟

ارتبط مفهوم الانتقال، في التجربة السياسية المغربية، بانتقال الحكم أواخر التسعينات، وبالتناوب مع حكومة اليوسفي، وأيضا بتجربة الإنصاف والمصالحة، لكن لم يكن لهذا الانتقال مضمون ديمقراطي واضح، وهناك من اعتبره مجرد إيديولوجيا تبناها يسار كان في حالة عجز نظري. في 2002، جرى التراجع عن التناوب، واستمر الحديث عن الانتقال بمفهوم المصالحة، وتعزيز الحريات، لكن الديمقراطية بقيت تراوح مكانها أمام هامشية دور الانتخابات في فرز الفاعلين الأساسيين، وعدم وجود فصل حقيقي للسلط. وحتى عندما «فرضت» حركة 20 فبراير دستورا جديدا في 2011، نص على توزيع جديد للسلط وفصلها، تبين في الواقع أن هناك «سلطة تنفيذية مقسمة، وليس تقاسم سلط»، وأثر ذلك على التعاون بين السلط. وفي ما يخص استقلال القضاء، اتضح أنه بالقدر الذي جرى فيه تكريس هذه الاستقلالية من حيث الوسائل والإمكانية، «لم يظهر إجماع على وجود استقلال للقضاء»، بسبب ثقافة القضاة وتوجههم المحافظ. كما برزت ظاهرة المؤسسات الرقابية الجديدة الموازية التي يخضع مسؤولوها للتعيين. عموما، رغم تطور مصداقية الانتخابات، فإن الفاعلين السياسيين الأساسيين لا يخرجون من صناديق الاقتراع.

أمام هذه التطورات الاجتماعية والسياسية لم تعد الديمقراطية مطلبا ملحا، بل أصبح الحديث عالميا عن نماذج جديدة؛ «ديمقراطية سلطوية» أو «سلطويات ليبرالية». وفي المغرب، يبدو أن النموذج التقليدي للحكم يجدد شرعيته بالإصلاحات، ويتعزَّز بزيادة الطلب على «الدولة القوية»، حيث أصبحت الملكية هي الملجأ الوحيد للمطالب المحلية والهوياتية، لأن هذه المطالب بطبيعتها تعادي الأحزاب والمؤسسات التمثيلية. لكن السؤال الذي طرحه المشاركون هو: هل الملكية قادرة على أن تكون فعالة في تلبية جميع هذه المطالب؟

لكن، لماذا لم ينجح الانتقال نحو الديمقراطية؟ هناك ثلاثة أسباب وراء ذلك؛ أولها، مسؤولية الفاعلين السياسيين. ثانيا، عدم احترام الصلاحيات التي نص عليها الدستور. ثالثا، تراجع الطلب على الديمقراطية عالميا، وازدياد الطلب على الدولة القوية. فهل الديمقراطية مازالت مطلبا مطروحا؟ يجيب محمد الأشعري قائلا إنه على الرغم من التطورات التي عرفها المغرب على عدة مستويات، فإن بلادنا لن تربح رهان القرن الـ21 دون ديمقراطية، مثلما لم تربحه خلال العشرين سنة الماضية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محمد رموز منذ 3 سنوات

الانتقال الديمقراطي الية ضرورية من اليات الاساسية لدمقرطة المجتمع

التالي