بالرغم من شح التوثيق التاريخي للدور الريادي، الذي كانت تلعبه « الشيخة » في مغرب القرن 19، من خلال مقاومة الاستعمار الفرنسي، وبطش كبار رجالات السلطة والمخزن الذين كانوا يعيثون في البلد فسادا واستبدادا، إلا أن التوثيق الشفهي توارث بعض القصص التي تؤرخ لبسالة وشجاعة هذه الفئة المجتمعية.
مباركة البهيشية، التي يعود أصلها إلى فخضة البهيشيين، هي واحدة من أكثر الشيخات اللواتي ذاع صيتهن بسبب تعرضهن لكل أنواع الظلم والتجبر من أبناء جلدتها المغاربة قبل المستعمر الفرنسي. حيث هاجرت إلى بني ملال في أواخر القرن 19، لتصير صوتا للقبيلة بفضل موهبتها وذكائها. ورغم هذه الميزة، إلى جانب جمالها الأخاذ، حيث كانت فارعة الطول وجميلة، اختارت العزوبة بعد زواج مبكر فاشل، لتجد خلاصها في الغناء.
الشيخة الملالية الأم، كما يحب أن يدعوها المختصون في فن العيطة، كانت ذات كلمة مسموعة في محيطها، نظرا لما كانت تكتسيه من هبة ووقار وسط المجتمع الملالي حينها، عرفت بعيطة الشجعان الشهيرة، التي منحتها حظوة وحضورا في بدايات القرن العشرين، فكانت ذات شخصية قوية، لم يكسر ظهرها سوى دخول المغرب في عهد الحماية، وتمركز الاستعمار الفرنسي منذ سنة 1912، فكانت مباركة واحدة من الشخصيات المرفوضة من طرف الفرنسيين وخونتهم من قياد مغاربة، ما عرضها للتشريد بسبب أشعارها الثورية والمحرضة على القتال وتحميس المحاربين على انتزاع الحرية، وبفعل أشعارها أمست محط متابعة، حيث أجبرت على الهروب إلى الجبال خوفا من التصفية الجسدية..
تقول مباركة البهيشية في إحدى قصائدها:
« تكلم الكَور قبل الفطور
كيف الرعود الخيرية
تخلطت الخيل والرجلية
وشابت من هي درية.. ».
وبعودة الأهالي الذين احتموا بالجبال من بطش المستعمر عن طريق التفاوض مع القواد والباشا بوجمعة، آثرت مباركة البهيشية السكن بمقبرة الموتى على أن تخضع للمستعمر الذي كان يتوقع أن موتها هو مسألة وقت فقط، فكان لسان كلمتها سليطا على المستعمر والباشا بوجمعة، واستمرت في نثر كلمات ساخرة من الوضع، ومنتقدة لما آلت إليه الأمور، ومن بين ما أوردته في هذا الباب:
حتى عريوة دار كسيوة
حتى عريوة عرف البيرو
حتى عريوة عاد إيفاري
وسخرت أيضا من حاكم بني ملال ولباسه الصيفي عند خروجه لتفقد الرعية، قائلة:
كسيو بوكم راه تعرا
خاصو بلغة وتشامير
تشامير تحت الركبة.
وبلغ الحاكم العقيد أوبير ما قالته البهيشية في حقه، فاستدعاها إلى مكتبه، فطلب منها أن تردد أشعارها الساخرة منه على مسامعه، وهو ما لم تتردد البهيشية في قوله، حيث ابتسمت بثقة تامة وأجابته: « أنا صوت الناس والقبيلة وما قلته في غيابك أقوله في حضرتك »:
شفت الحاكم جاينير جداد
بنفاضو جداد
تبقاي بخير يا بلاد
هذا ماكتاب
فابتسم العقيد الفرنسي حينها، وأمر بإعطاء البهيشية منحة مالية، فأخذتها الشيخة الملالية، وهمت إلى إقامة وليمة نسائية دون أن تستعمل فرنكا واحدا لمصلحتها الخاصة، رغم معاناتها الاجتماعية وجبروت الباشا بوجمعة، الذي كان يستهدفها بكل الطرق دون أن ينجح في هزمها، نظرا إلى رمزيتها عند أهالي القبيلة الذين تكفلوا برعايتها خلسة بالموازاة مع زيارة موتاهم، كما كانوا يلجؤون إليها للتداوي بسبب قدرتها على شفاء المرضى بالأعشاب والطب البديل، فكانوا يرون فيها « قديسة القبيلة »..