الشيخة خربوشة.. الثائرة في وجه استبداد "المخزن "

27 يناير 2019 - 23:01

خربوشة، حادة الزيدية، زروالة، حويدية، أو لكريدة، تعددت الأسماء لامرأة واحدة، طبعت قصتها ذاكرة الوطن، وتوارثت الأجيال حكاية تمرد استثنائي ضد جبروت الظلم المخزني في شخص عيسى بنعمر العبدي، أحد أكبر قُيّاد المغرب، نهاية القرن التاسع عشر.

ففي منتصف سنة 1895، أي بعد وفاة السلطان المولى الحسن الأول، وجلوس المولى عبدالعزيز أصغر أبنائه على كرسي العرش، عمت الفتنة البلد، واشتعلت الثورات والقلاقل في كل من قبائل الرحامنة ودكالة وعبدة، ما سبب نوعا من الانفلات من قبضة المخزن، خاصة مع الظرفية الاقتصادية الخانقة التي كان يعانيها المغرب حينها، واستنزاف خزينة الدولة، ما اضطر المخزن آنذاك إلى فرض مزيد من الضرائب على المواطنين والتجار، وساهم في حالة الاحتقان والاحتجاجات، التي قوبلت أيضا بتعسف ممثلي المخزن والقُيّاد على مستوى القبائل، فثارت قبائل الرحامنة أولا، وتلتها قبائل دكالة، فأزمور.

وفي عبدة، استغلت القبائل الثائرة انشغال المخزن بانتقال العرش ووجود قيادها في فاس لتقديم فروض البيعة للسلطان الجديد، فقلبت الطاولة. لكن، وعلى عكس أي توقع، نجت إيالة القائد عيسى بنعمر من موجة الثورات. وعندما عاد الأخير إلى عبدة، “وجد داره على أحسن حال، فأظهر للقبيلة كل انعطاف ورضى، وجازى كبراءهم على حسن استقامتهم خيرا”، يقول أحمد بن محمد الصبيحي في مخطوط تاريخي له. لكنه، أيضا، فضل أن ينهج سياسة جديدة، توجسا من المستقبل، فعمد إلى تقريب قبائل أخرى من خارج إيالته من دكالة واحمر، لاعتمادها كسند خارجي عند الحاجة، فصار يمدهم بالخيل والسلاح احتياطا، حتى لا يقع به وبداره يوما ما وقع لغيره، خاصة مع تهجم القبائل على بعض المنازل التي تعود لقياد ومخزنيين آخرين.

السياسة الجديدة والتهميشية لعيسى بنعمر لم ترق فخدة أولاد زيد بقبيلة البحاثرة، خاصة وأنها الأكثر تضررا جغرافيا وماديا، وما زاد الطين بلة هو تجريدها من الخيل والسلاح أيضا، ما أشعل فتيل حرب متواصلة على القائد بنعمر طوال سنتين، وهنا ظهر اسم خربوشة، كشاعرة لانتفاضة أولاد زيد، تجلس إلى المقاتلين وتنشدهم قصائد الحماسة وتحرضهم على الصبر والثبات في حربهم ضد القائد المستبد بنعمر، فكان المطلب الوحيد لهذه الثورة هو “عزل عيسى بنعمر وتولية قائد آخر مكانه”، إلا أنهم لم ينالوا ذلك، فقد كان القائد عيسى ابنا بارا للمخزن آنذاك، وهكذا تطورت الأمور إلى حرب ضروس بين قائد عبدة وأولاد زيد في مواقع كثيرة حتى وصل القتال إلى أسوار آسفي.

ويُرجع إبراهيم كريدية، في كتابه “القائد عيسى بنعمر وثورة أولاد زيد وواقعة الرفسة”، بسالة وشجاعة ثوار أولاد زيد في حربهم ضد عيسى بنعمر إلى “ما كان يهز مشاعرهم من تحريض وتحميس، مصدره شاعرتهم الشيخة حويدة الغياثية العبدية، والتي يظهر من بعض ما يتداول من أوصافها، أنها كانت غير ذات جمال، فهي «خربوشة» و«كريدة» (ذات شعر أكرد)، ولعل هذه الدمامة كانت ترفع عنها الحرج في مخالطة الرجال، ولذلك كانت في حمى ثورة بني قومها، تجلس إلى مقاتلي أولاد زيد ليلا، حين يخلدون للراحة بعد عودتهم من معارك الكر والفر، فتنشدهم قصائد (عيوط)، كلها تحميس لهم وتحريض على متابعتهم الثورة ضد القايد عيسى، تحثهم فيها على الصبر والثبات. وفي الآن نفسه، كانت تكيل للقائد هجاءً قاسيا وبذيئا، ولم يكن نظم الشيخة حويدة وغناؤها حبيس رواة أولاد زيد وصدى مرابطهم، بل كانت قصائدها تنتشر بين قبائل عبدة، بل تتسرب حتى إلى قبائل الجوار. فكان الناس يرددونها فرادى وجماعات، ما أعطى لهذه الثورة دعما معنويا كبيرا…”

وفي إحدى القصائد تقول خربوشة، في هجاء عدوها عيسى:

“سير أعيسى بنعمر أوكال الجيفة

أقتال اخوتو أمحلل الحرام

سير عْمَّر الظالم ما يروح سالم

وعْمَّر العلفة ما تزيد بلا علام

ورا حلفت الجمعة مع الثلاث

يا عويسّة فيك لا بقات

اللي ما عزاني فكبيدتي نعرفو يكرهني

اتعالى اتعالى نسولك أداك الغادي

شكون سبابي حتى خرجت بلادي”

ومع الوقت بدأت الحرب بين عيسى وأولاد زيد تدخل فترة فتور وتراجع، تداعى الجميع إلى الصلح بمبادرة من عامل آسفي. ووقع الاختيار على مخزن كبير لتاجر إسباني بالمدينة يدعى خورخي، ليحتضن اجتماع الصلح يوم 9 نونبر 1895. غير أنه لم يكتب لهذا الصلح أن يتم، بعد أن بيّت القائد عيسى بنعمر في نفسه مكيدة خطيرة، وعزم على قتل أعدائه وسط الاجتماع، وعلى رأسهم محمد بن ملوك الزرهوني، زعيم ثورة أولاد زيد، فصارت حياة خربوشة في خطر أيضا، ولم تجد بدا من الهرب إلى أخوالها في الشاوية. هناك، تبعها القائد عيسى بنعمر وأرسل في طلبها، لكن طلبه رُفض من قبل قائد قبيلة أولاد سعيد التي لجأت إليها خربوشة. فيما بعد، أمر السلطان المولى عبدالعزيز بنقلها إلى دار المخزن، وهو ما استجاب له قائد أولاد سعيد، فخرجت خربوشة يصحبها مخزني واحد. وفي الطريق، عمد أتباع عيسى بنعمر “إلى مركوب المرأة وساقوه إلى غير طريق المحلة السعيدة وحالوا بينها وبين المخزني وقصدوا بها طريق أزمور نهرا، فصادرهم وأعلمهم أنه متوجه بها للمحلة السعيدة، وأراهم الكتاب الذي بيده، فلم يلتفتوا إليه وتبعهم مسافة كبيرة ولم يقدر على مقاومتهم، لأن عددهم اثنا عشر فارسا”، كما تؤكد ذلك وثيقة مخزنية كتبها بوبكر بن بوزيد، قائد أولاد سعيد إلى الصدر الأعظم أحمد بن موسى.

وذاقت حويدة ويلات التعذيب في سجن عدوها القائد عيسى بنعمر، وفي هذا الصدد يقول الصبيحي: “إن القائد عيسى سجنها مدة مديدة، كان في خلالها يركبها ناقة، ويأمرها أن تغني، وهو في وسط إخوانه، الغناء الذي كانت تغنيه لأولاد زيد، ثم قتلها. ومن الثابت عنها أنها كانت وهي سجينة تجادله بكل قوة”..

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ابو عمار الثمري منذ سنتين

هذه صورة نمطية تداولتها الكثير من الأدبيات " الشعبية"، التي للأسف، لم تؤسس على دراسات علمية صارمة، تعالج الموضوع بموضوعية المؤرخ المحقق ، الذي يتحرى الحقيقة..العلمية. نحن أبناء القبيلة، و أبناء الفخدة التي ينتمي إليها عيسى بن عمر-رحمه الله-، أعني فخدة "ثمرة"، نعرف أن الموضوع أعمق بكثير مما يحاول بعض المتطفلين على التاريخ " استسهاله"..و صبه في "معلبات"، جاهزة للاستهلاك "الشعبي الرخيص"..الذي لا يستسيغ أصلا، إلا الأكلات " الجاهزة"..التي لا يريد أن يبذل في إعدادها أي جهد "ذهني أو مادي". و ياليت الحقيقة التاريخية، كانت دائما بالبساطة التي يتصورها " مؤرخو الكوكوت مينوت"..هؤلاء!!!!

التالي