المعطي منجب* مؤرخ
ما أهمية الوثيقة التي جرى توقيعها بين المغرب وفرنسا يوم 2 مارس 1956؟
وثيقة 2 مارس، التي اعترفت من خلالها فرنسا باستقلال المغرب وسيادته الدولية، هي أهم وثيقة وقعها المغرب في القرن العشرين. إنها تتجاوز في أهميتها ورمزيتها وثيقة الحماية الموقعة يوم 30 مارس 1912، والتي وضعت حدا لاستقلال ما كان يُسمى بالإيالة الشريفة أو المغرب الأقصى.
لماذا تم نسيان هذا التاريخ، باستثناء تسمية أحد شوارع الدار البيضاء باسمه، لا نجد له ذكرا في الرواية الرسمية للتاريخ الراهن؟
أعتقد أنه كما تقول تم نسيان 2 مارس عنوة لأن الاحتفاء به قد يغطي على الدور المهم الذي لعبه الملك محمد الخامس في النضال من أجل استقلال المغرب، إذ منذ البداية وقع هذه الوثيقة مبارك لهبيل البكاي، رئيس الحكومة، وهو شخصية مقربة من محمد الخامس، فهو يستمد مشروعيته من استقالته من منصبه كباشا لما أقدمت فرنسا على الإطاحة بالسلطان الوطني ونفيه وتعويضه بمحمد بن عرفة الذي أصبح في المغرب عنوانا للخيانة والعمالة. إذن، لم يوقع وثيقة 2 مارس أحد رموز الوطنية الكبار كعلال الفاسي أو المهدي بنبركة أو بلحسن الوزاني، بل وقعتها شخصية تابعة للقصر رغم دورها المحمود والإيجابي الذي لعبته بين 1953 و1955.
هل لنقل تاريخ الاحتفال بعيد الاستقلال إلى 18 نونبر علاقة بالصراع حول الشرعية والرمزية بين القصر والحركة الوطنية؟
قرار اعتبار عودة محمد الخامس إلى عرشه من المنفى يوم 16 نونبر 1955، ثم ليستقر الأمر على 18 نونبر، وهو اليوم الذي اعتلى فيه ابن يوسف العرش أول مرة سنة 1927، بمثابة عيد الاستقلال الحقيقي للمغرب، ينم عن نوع من الصراع الرمزي بين قوتين سياسيتين وإيديولوجيتين هما القومية المغربية الحديثة والملكية ذات المشروعية التاريخية والمناقبية.
كشفت وثائق جديدة في تونس عن التزامات خطيرة تجاه فرنسا لحظة إعلان الاستقلال، هل يمكن أن نستشف من طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية وجود التزامات مماثلة؟
من الوارد جدا وجود مثل هذه الاتفاقات، ولكن ليس من مصلحة لا فرنسا ولا المغرب الكشف عن ذلك حاليا. هذا تخمين شخصي مبني على ما وقع بين باريس وعدة دول إفريقية إبان استقلالها، ولكن ليس لديّ أي وثيقة ذات أهمية تبرهن على ذلك بالملموس، فيما يخص المغرب.
لماذا بقي التاريخ الراهن للمغرب حبيس الاعتبارات السياسية، وبالتالي ضاعت الكثير من حقائقه؟
كما يُقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، ومادامت الحريات الأكاديمية غير مكتملة في المغرب، فإن من يسيطر سياسيا هو من يفرض وجهة نظره، ويحدث ذلك أحيانا ضدا على الحقيقة التاريخية. التاريخ، وأعني به هنا الماضي وما يترسب في الوعي الجمعي عن أحداثه، بطولاته وخياناته، قوة هائلة يمكن استعمالها للإحياء والانبعاث والسير إلى الأمام، ويمكن استغلالها، كذلك، مادة مخدرة للاستكانة، ولخلق ما يُسميه علاء الأسواني « الفرد المستقر »، الذي يعتبر أن بقاءه على قيد الحياة هو نوع من المكسب الكبير، بل والمفاجأة الباهرة التي يجب أن يشكر عليها الحكام.