علي الادريسي *أستاذ باحث في التاريخ المعاصر
لماذا لم يعتمد المغرب تاريخ 2 مارس عيدا للاستقلال واستبدله بـ 18 نونبر؟
كان يجب أن يطرح هذا السؤال على الملك الراحل الحسن الثاني، لأنه هو الذي قرر نقل الاحتفال بعيد الاستقلال من 2 مارس إلى 18 نونبر، عقب وفاة والده محمد الخامس في 26 فبراير 1961، وتوليه عرش المغرب في 3 مارس 1961. وكان الاحتفال قبل عهده يتم في 2 مارس، تاريخ توقيع وثيقة الاستقلال. وهكذا ترى أن قرار الاستغناء عن 2 مارس، التاريخ الحقيقي لتوقيع وثيقة الاستقلال، يعود إلى الملك الحسن الثاني وحده، كالقرارات التي تخص مناسبات وطنية أخرى؛ مثل التغاضي أو الإغفال الرسمي لذكرى انطلاق جيش التحرير في جبال الريف (كزناية) في 2 أكتوبر 1955. أما تاريخ 18 نونبر، فكان يصادف ذكرى عيد العرش في عهد محمد الخامس.
وما هي الرهانات التي حكمت قرار تحويل ذكرى 2 مارس إلى 18 نونبر؟
كان يمكن الحديث عن الرهانات لو وضح الملك الحسن الثاني أسباب قراره للشعب، ولو لم « يزهد » الفاعلون السياسيون وقادة الأحزاب والنقابات في سؤال الملك عن دواعي قراره؛ فهؤلاء كان مفترض فيهم مشاركة عاهل البلاد في صناعة القرارات ذات الصبغة الوطنية. لكن الحسن الثاني لم يكن يقبل أن يُسأل عما يقرر أو يفعل. وحينئذ لم يجد المغاربة أمامهم إلا إطلاق العنان للتخمينات والتأويلات، التي تدور أغلبها حول مكانة محمد الخامس في استقلال المغرب، وحول تقدير وارث العرش لتاريخ 18 نونبر، بدل 2 مارس، المقترن بذكرى جلوس والده على عرش المغرب. ومن التخمينات التي سادت حينها أن سبب تحويل تاريخ الاستقلال من 2 مارس إلى 18 نونبر كان بسبب التصاقه بذكرى عيد العرش الجديد للحسن الثاني المصادف لــ 3 مارس. لكن اليوم، لم يعد عيدا وطنيا، ورغم ذلك لازال 2 مارس مبعدا، إن لم نقل مغضوبا عليه. ولذا يرى البعض أن أهم رهان يتعلق بثقافة « السمع والطاعة » لما يقرره أو يقوله سيد البلاد، كما يجب على المغاربة أن ينسوا كل ما لا يصدر عن ملكهم؛ والنسيان ثقافة سائدة في مجتمعات عربية كثيرة، عبر عنها رئيس مصر الحالي بقوله « متِسمعوش حد غيري ». أما الملك الحسن الثاني، فقد أعلن في خطاب له، في مارس 1965، أنه هو من قرر « منح » الديمقراطية للشعب، وأنه لم يكن هناك من يرغمه على ذلك. وبما أن شخص الملك مقدس، حسب الدساتير السابقة عن دستور 2011، فإن لا أحد يستطيع أن يطعن في قراراته وكلامه.
هناك تاريخ آخر يُراد له أن يحل محل 2 مارس وهو 11 يناير، تاريخ تقديم حزب الاستقلال وثيقة المطالبة بالاستقلال، ما دلالة تعدد التواريخ؟
قرار اعتبار 11 يناير عيدا وطنيا رسميا تم بالتقريب في أواسط عهد الحسن الثاني. وإلى الآن، لا يوجد تعليل مقنع لاعتماد هذا التاريخ لتخليد وتمجيد نضال المغاربة من أجل استرجاع المغاربة لسيادتهم الوطنية، في الوقت الذي هُمِّشت فيه المقاومة المسلحة من أجل تحرير الوطن تهميشا لا يرضي إلاّ الاستعمار وأعوانه. وإذا سلمنا مع بعض السياسيين بأن العمل السياسي قد يحقق ما لا يحققه العمل المباشر، كما يرى بورقيبة وعلال الفاسي مثلا، فإن الوثائق السياسية أو الحزبية المطالبة بالاستقلال للمغرب متعددة؛ أولاها في القرن العشرين كانت وثيقة 30 ماي 1919 المقدمة من قبل قائد الجبل أحمد الريسوني، تجاوبا مع تصريح الرئيس الأمريكي ويلسون في 8 يناير 1918، المعروف بمبادئ ويلسون الــ 14، وبخاصة المبدأ الخامس الذي نص على « وضع إدارة عادلة للمستعمرات لتنفيذ ما يحقق مصالح سكانها ». أما الوثيقة الأخرى (1943)، فهي وثيقة الشمال (تطوان وطنجة) التي سبقت 11 يناير 1941، بما يقارب السنة، التي قدمها كل من حزب الإصلاح الوطني، وحزب الوحدة المغربي. وفي 11 يناير 1944 تقدم حزب الاستقلال في الرباط بوثيقته، التي أهملت الإشارة إلى الوثيقتين السابقتين، ولم تشر إلى الشمال الذي كان يخضع للاستعمار الإسباني، ما جعلها وثيقة ذات صبغة حزبية ضيقة، خاصة بعدما رفض الموقعون إشراك أعضاء قياديين من حزب الشورى والاستقلال، الذي كان ينشط بدوره في منطقة الاستعمار الفرنسي، واضطر هذا الأخير إلى تقديم وثيقة مشابهة سلمت للمقيم العام الفرنسي يوم 13 يناير 1944. وهكذا نرى أن تفضيل وثيقة معينة كعيد وطني رسمي يصعب تعليله، كما يصعب قبوله إلا من باب التسليم بقرارات الملك الحسن الثاني، التي لم يكن أحد قادرا على مناقشتها، وإنما كان على الجميع طاعتها وإعلان الولاء لها.
وما نتائج مثل هذا التضارب في ترسيم الأعياد المغربية على الوعي الوطني؟
سؤال هادف ووجيه. وما يعتري المغاربة حاليا من تنافر إثني، وجهوي، وإحساس متنام بغياب العدل في مفهومه العام بين كل المغاربة، يؤكد وجاهة طرح هذا السؤال وتوجيهه لمن يهمه الأمر، حفاظا على صمامات الوعي الوطني المشترك لكل المغاربة. ونعتقد بأن من حق المغاربة الآن، بعد إلغاء نص « شخص الملك مقدس » من دستور 2011 وتعويضه في المادة 46 بنص « شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام »، فإنه قد يكون من حق المغاربة أن يتمنوا استعادة التواريخ الحقيقية الرامزة لنضال الشعب المغربي قاطبة، ومقاومته للاستعمار. وإذا كان هناك ما يرمز إلى وحدة جنوب المغرب مع شماله، فهو زيارة محمد الخامس لشمال المغرب (إسبانيا) ولطنجة (الدولية)، يوم 9 أبريل 1947، وخطابه الشهير في طنجة. ويمكن أن يكون 9 أبريل عيدا وطنيا رسميا بدون منازع. لكن ذلك لا يبرر إلغاء 2 مارس. وإذا قام المغرب بترسيم 9 أبريل واستعادة 2 مارس، سيكون لهما، بلا شك، مساهمة كبرى في التغلب على ما يعاني منه الوطن من اختلافات قد تلحق الضرر بانسجام مكوناته الاجتماعية وتناغمها وبناء المستقبل المنشود.