الشخالبةـ الجديدة: سهام فضل الله
في طريقه إلى المدرسة، يضطر صلاح الدين عكاوي، 11 عاما، كل يوم إلى تغطية أنفه بخرقة، ليس لمقاومة هواء الطبيعة الهادئة المحيطة به، ولا من رائحة البحر المجاور لدوارهم، الواقع على بعد 20 كلم جنوب مدينة الجديدة، لكن لسبب أخطر من ذلك، وهو تفادي الروائح القوية للأسيد والفليور والأمونياك.. المتصاعدة من مركب الفوسفاط، الذي تحاصر معامله دوار الشخالبة التابع لجماعة مولاي عبدالله القروية بإقليم الجديدة.
بعينين حمراوين بسبب مرض الحساسية، وبثيابه الرثة وحذائه البلاستيكي يحكي صلاح عن معاناته اليومية ويقول: « حينما أصل إلى هنا، مشيرا بأصابعه الصغيرة إلى الطريق التي يسلكها رفقة أقرانه، أضع خِرقة على أنفي لأن الرائحة تخنقني، كما أنني أشعر بخوف شديد حينما أعبر الطريق نحو الضفة الأخرى بسبب الشاحنات الضخمة التي تمر من هنا، لكن ليس لنا من خيار سوى هذا المسلك الوحيد المؤدي إلى مدرستنا ».
سيناريو صلاح الدين صار يتكرر يوميا معه ومع أقرانه من دوار الشخالبة، ثم إن سكان الدوار ضاقوا ذرعا من هذا الوضع الذي آل إليه واقعهم، بعدما أصبحوا محاصرين بالمعامل التابعة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط المحيطة بهم من كل جانب، حتى البحر الذي كان يشكل متنفسا لهم، هيمنت على أجزاء واسعة منه المصانع الموجودة هنالك، فأضحى ممنوعا الولوج إليه، والجزء الباقي منه تصب فيه أنابيب المخلفات الصناعية بشكل حوّل مياهه إلى مادة سامة لا تصلح لا للاستفادة من الثروات البحرية ولا للاستجمام. « ولادنا حدى البحر ومتيعرفوش يعوموا أعباد الله »، يقول أحد السكان بنبرة ساخطة.
أصل الحكاية..
يحكي مهدي جنات، شاب من شباب دوار الشخالبة، قصة معاناتهم مع التلوث والأمراض المتفشية في دوارهم، ويقول: « إن المكتب الشريف للفوسفاط « استولى » على أراضي أجدادهم بثمن 18 ريال للمتر الواحد خلال سنوات الثمنينيات، ومنذ سنة 1983 ونحن مشردون ونعاني أمراضا تنفسية بسبب التلوث البري والجوي والبحري المحيط بنا ».
« لم تعد هنالك أنشطة تمكننا من العيش، فلا أنشطة فلاحية ولا مواشي ولا أي شيء، التلوث الصناعي هنا فتك بالبشر وبالحجر »، يضيف مهدي بامتعاض وبأسف ومرارة، متسائلا: « ماذا استفدنا نحن من هذه المشاريع المحيطة بنا؟ مشاريع ضخمة نحن من يدفع ثمنها باهظا من أجسادنا ومواشينا ».
[youtube id= »NBzSaD6_jfY »]
الشاب العشريني، يضيف أن والده كان مثل كثيرين ممن نخرت الأمراض جسدهم وكانت سببا في وفاتهم نتيجة التلوث الذي يحدق بهم، على حد قوله، متحديا جميع المسؤولين بتوفره على تحاليل طبية تثبت ذلك، وأن الوضع البيئي في المنطقة يشكل خطرا فعلا على السكان.
ثروة.. وشباب عاطل!
كثير من الشباب الذين صادفناهم خلال زيارتنا للدوار رددوا على مسامعنا أكثر من مرة فكرة غياب فرص الشغل، رغم أن منطقتهم قريبة من معامل الفوسفاط، دون أن ينعكس ذلك على فرص تشغيلهم، « الشيء الذي بقينا متمسكين به في منطقتنا هو الفلاحة، لكنهم حتى أراضينا أخذوها منا، ولم يتبق لنا غير البحر، لكن هو الآخر طالته مخلفات المركبات الصناعية، التي تنفث سمومها في عمق البحر »، يقول مهدي.

وأردف مهدي بنبرة تحدي مرة أخرى، « أتحدى أي مسؤول بأن يأتي لزيارة المنطقة ولو نصف ساعة ليطالع على ما نعيشه يوميا، وإن استطاع أن يصبر، فلن نتحدث مرة أخرى عن المشكل ».
« هاد الناس تكرفوسو علينا » يقول ابن الدوار، « وحتى صوتنا غير مسموع. طرقنا مختلف الأبواب دون فائدة، قدمنا شكايات لدى قائد المنطقة وراسلنا العمالة وتواصلنا مع رئيس الدائرة وجميع ممثلينا المنتخبين بلا طائل ولا فائدة، وحتى اللحظة لم نتوصل بأي رد »، يقول مهدي.
وقبل بضعة أشهر فاضت إحدى قنوات تصريف مخلفات المصانع على أرض تابعة للدوار ما تسبب في هلع وسط السكان، ما استدعى زيارة لمسؤولي المكتب الشريف للفوسفاط ولمنتخبي المنطقة، حيث قدموا خلالها وعودا لمعالجة المشكل دون أن تبرح تلك الوعود مكانها، ودون أن ترى طريقها للنور.
« في البداية كان هنالك مصنعان فقط، للمكتب، لكن سرعان ما تكاثرت وغدت ستة. واليوم، هنالك معامل أخرى في طور الإنشاء » يقول حسين عكاوي، من سكان الدوار، رافعا يديه نحو السماء « ما بقيناش قادرين، تقاضى الصبر الشكوى لله وصافي ».
كل همّ حسين اليوم، حسب قوله، هم أطفال الدوار، « أما نحن فقد كبرنا »، ويضيف: « أن المسؤولين هضموا حقوقنا وكنا نتوقع منذ أكثر من 30 سنة أن يقوموا بإنصافنا عبر منحنا تعويضا أو ترحيلنا، لكن لا شيء من ذلك حصل. ونحن الآن، مدفونون هنا ».
يرى حسين أن دوارهم برغم موقعه الجغرافي الغني بثرواته الطبيعية إلا أن المنطقة لم تستفد من أي برنامج تنموي، وكان مصيرها التهميش. « حتى المدرسة الوحيدة في الدوار تعد من أضعفها في المنطقة ويتكبد التلاميذ مشقة التنقل مسافات طويلة من أجل دراسة نصف يوم يقضونه وسط التلوث »، يضيف حسين.
وأردف ابن المنطقة قائلا: « كنا ننتظر أن تتكفل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط ببناء أمكنة ترفيهية أو نوادي أو ملاعب، حيث يمكن لشباب المنطقة قضاء وقتهم أو أن تقوم بالمساهمة في إصلاح الطرقات أو بناء ملعب.. أليس من حقنا نحن كبشر ننتمي إلى هذه المنطقة أن تكون لدينا مرافق صحية وعمومية؟ »

سكان وشباب المنطقة يرغبون فقط، كما صرحوا لنا، في التفاتة ولو بسيطة لمشاكلهم والاستماع إليهم، على أمل ترحيلهم مما وصفوه بالجحيم الذي يعيشون فيه حتى يتمكنوا من العيش بعيدا عن الروائح التي تزكم النفوس، وفك الحصار المفروض عنهم، وإنقاذهم من الموت البطيء الذي يتهددهم. يقول أحد سكان الدوار: « نحن اليوم، نموت موتا بطيئا بغاز الأمونياك والفليور والكبريت وغازات أخرى لا نعرفها، خاصة مع حلول الليل حينما تغطي الأدخنة قريتنا ».
أثار التلوث تبدت، أيضا، على بعض المواشي التي تظهر عليها بعض التشوهات الغريبة، خاصة في المناطق التي ترعى فيها والمحتوية لنسب تلوث عالية، بحسب السكان.
« تهديدات متكررة »؟!
« إلا بغيتي تخدم خصك شي واحد يعرفك ولا يتوسط ليك »، يقول عدد من شباب المنطقة الذين تحدثنا معهم، وجميعهم لا يخفون امتعاضهم من عدم استفادة دوارهم من قربه من أكبر مركب صناعي في المملكة، حيث يكون من نصيبهم فقط، التلوث الذي يدمر صحتهم وأراضيهم وحرثهم وماشيتهم. يقول أحدهم بنبرة غاضبة: « من هادشي كامل كيفاش تصبر وكيفاش تسكت »، يقول آخر، وفي هذه الأثناء تدخل شاب آخر ليحكي كيف هدده أحد المسؤولين المنتخبين في المنطقة بأن يلاقي مصيره ما لاقاه الزفزافي لأنه تجرأ وتحدث عن المشكل لأحد المنابر الإعلامية المحلية. فذات يوم حينما اتجه نحو مكتب المسؤول المعني لقضاء غرض إداري أشار له الأخير بأصبعه قائلا: « أنا بعدا معجبنيش داكشي اللي درتي »، في إشارة إلى حديثه الصحافي عن واقع دوار الشخالبة، محذرا إياه من أن يكون مصيره الاعتقال والمتابعة، بحسب شهادته، وهو ما زرع في نفسه الخوف من التعبير عن المشكل أو حتى الإفصاح عن اسمه .
خلال تبادلنا أطراف الحديث اتضح أن العديد من الأشخاص الذين ينتفضون ضد ما يعانيه دوارهم « يجري وضعهم ضمن اللائحة السوداء وعدد من مسؤولي المنطقة يتعاملون معهم على أنهم « متمردون ». كما أن أحد المنابر الإعلامية المحلية كانت صورت مقطع فيديو، يسلط الضوء على مشكلهم وبثت إعلانا له قبل بثه، لكن ما حصل هو أن الفيديو لم يبث. شهادات السكان أكدوا أن ما حصل هو أن صاحب الفيديو اعتذر لهم عن عدم قدرته على بث الفيديو.
زهير، أحد سكان المنطقة، يقول إننا لا نطالب بمطالب تعجيزية، كل ما نريده أن نعيش عيشة كريمة، وفي بيئة صحية سليمة لا أكثر، « هؤلاء تعداو علينا وصبرنا بما فيه الكفاية، وحان الوقت لإيجاد حل لمشاكلنا ».
أمراض نادرة!
خلال جولتنا صادفنا طفلا لم يبلغ بعد العاشرة من عمره، وعليه جروح بها تقرحات. يقول الأخ الأكبر للطفل: « هذه حالة من ضمن حالات عديدة يعانيها أطفال المنطقة بسبب التلوث المحيط بهم، والأسر لا تملك إمكانيات تسمح بإجراء تحليلات وفحوصات طبية للتأكد من مسبباتها، كما أنه لا يملك ما يكفي من الإمكانيات المادية للعلاج لأن والده متوفى ».
ما يعانيه الطفل، بحسب شهادات السكان، يجد مبرره في التلوث الصناعي الذي يفتك بحرثهم وماشيتهم، وفي هذا الصدد يقول عزيز: » ظهرت العديد من التشوهات الغريبة على ماشيتنا وأحيانا تتقيأ بطريقة غير مفهومه حين ترعى في المناطق المحيطة بالمركب، والتي، ربما، تحتوي على مواد سامة »، بحسبه.
كما عاينت « أخبار اليوم »، العديد من الأراضي والمناطق التي تمر منها أنانبيب المخلفات الصناعية التي تآكلت وظهرت عليها بقع على شكل حفر كبيرة تفيض منها مواد حارقة، والسبب يعود، بحسب ما شرحه لنا السكان، إلى تآكل الأنابيب التي تمر منها هذه السوائل، حيث أضحت تلامس الأرض بشكل مباشر، وهو ما أثر في النهاية على باطنها الذي بدأ بالتآكل شيئا فشيئا.
أخطر من كل ذلك، فهذه المناطق الخطرة يسهل جدا الوصول إليها، إذ لا توجد هنالك لا حراسة ولا حواجز، ولا حتى لافتات تحذيرية، تحول دون وقوع حوادث أو سقوط أحدهم وسط هذه المواد السامة والحارقة. وفي هذا الصدد، يقول أحد السكان « إذا رغب أحدهم في الانتحار يكفي أن يرمي نفسه في هذه الحفر العارية ولن يبقى لجثته آثر ».
الجماعة أيضا معنية..
ما نقلته « أخبار اليوم » من شهادات السكان، رفضت إدارة المجمع الشريف للفوسفاط التعليق عليه، دفعنا إلى التواصل مع رئيس جماعة الشخالبة لسماع وجهة نظره عن طبيعة الاتفاق بين الجماعة من جهة، والمكتب الشريف للفوسفاط من جهة ثانية، لترحيل سكان الدوار.
وحصلت « أخبار اليوم » على نسخة من هذا الاتفاق الذي ينص على عدد من البنود تتضمن التزامات الشريكين الممثلين في الجماعة القروية لمولاي عبدالله والمجمع الشريف للفوسفاط.
وبحسب ما ورد في الاتفاق، فإن الجماعة تلتزم بتفويت البقع المجهزة، والتي في طور التجهيز المتبقية من الشطر الثاني لتجزئة المسيرة لفائدة أسر المنطقتين، دوار الشخالبة ودوار السراحنة وأولاد عبدالقادر، والذين ينحصر عددهم في 108 أسر.
فيما يلتزم المجمع الشريف للفوسفاط بأداء ثمن تفويت 108 قطع أرضية ممنوحة لأسر المنطقتين، وثمن التفويت هو المحدد من طرف لجنة التقييم المحدثة من أجل ترحيل سكان الحظيرة الصناعة بالجرف الأصفر بالنسبة إلى البقع من الصنف نفسه في التجزئة نفسها، بالإضافة إلى تسريع وتيرة إتمام أشغال تهيئة 56 بقعة في طور التجهيز من الشطر الثاني لتجزئة المسيرة.
تفاصيل أخرى عن الاتفاق، يقول بشأنها مولاي المهدي الفاطمي، رئيس الجماعة القروية لمولاي عبدالله لـ »أخبار اليوم »: « إنه يتضمن بقعا أرضية وتعويضا عن الأراضي، إذ يبيع السكان أراضيهم للمكتب الشريف للفوسفاط بثمن محدد يتراوح بين 45 درهما و70 درهما، علما أن أمر الثمن يحدد بحسب الموقع الجغرافي للأرض. فيما تضع الجماعة رهن إشارة السكان أراضي بثمن 180 درهما للمتر الواحد التي كان يجهزها المكتب الشريف للفوسفاط.
آخر ثمار هذا التعاون، بحسب ما أخبرنا به رئيس الجماعة، أن المكتب جهز قطعا أرضية بقيمة 20 مليون درهم. كما أدى المكتب، أيضا، ثمن الأرض نيابة عن السكان على حد قوله، والتي يصل حجم هذه البقع 80 مترا، كما أدى كذلك، ثمن تراخيص البناء.
وبحسب ما أكده الفاطمي، فإن عملية الترحيل تمر عبر أشطر، إذ جرى ترحيل الشطر الأول سلفا، والذي تضمن 150 عائلة، فيما يجري حاليا الاشتغال على ترحيل الشطر الثاني الذي يحتوي على 196 عائلة.
واعتبر الفاطمي أن عملية الترحيل ليست بالمهمة السهلة، بالنظر إلى ما يتطلبه الأمر من أموال، على اعتبار أن ميزانية الجماعة محدودة.
واعتبر الفاطمي أن هنالك عددا من المعيقات التي تواجه إحصاء سكان الدوار المعني، إذ جرى سابقا إحصاء 35 عائلة، وهو ما يعني 35 بقعة أرضية، « لكن أحيانا تظهر هنالك عائلات عديدة في البيت الواحد، فنجد العم والخال والابن. فعوض العائلة الواحدة تصبح هنالك ست أو سبع عائلات في بيت واحد، وهذا أمر بالغ التعقيد »، يقول الفاطمي.
واعترف رئيس الجماعة بالظروف الصعبة التي يعيش فيها هؤلاء، والتي لا يستطيع أي إنسان قبولها.
يذكر في هذا الصدد، أنه إلى غاية كتابة هذه السطور أخبرنا سكان الدوار أن الجماعة زارتهم وعقدت اجتماعا معهم، وجرى الاتفاق على الجلوس إلى طاولة الحوار بمعية المكتب الشريف للفوسفاط، من أجل الشروع في إحصاء العائلات وتنفيذ عملية الترحيل، وهو ما يأمل معه السكان أن يكون الموضوع جديا هذه المرة.