شقير: أي إصلاح يتجاوز الملكية سيُقبَر أو يُجهَض

10/03/2019 - 22:01
شقير: أي إصلاح يتجاوز الملكية سيُقبَر أو يُجهَض

محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية.

ما الذي تحقق من مضمون خطاب الملك محمد السادس يوم 9 مارس، الذي بدا وكأنه يمهد الطريق لملكية برلمانية؟

دستور 2011، الذي أتى بعد الحراك الشعبي المغربي والثورات العربية، كان من المفروض أن يستجيب للمطالب التي رُفعت في 20 فبراير، لأنها مطالب رفعت منذ تولي الملك محمد السادس للحكم تضمنتها مجموعة من المذكرات التي رُفعت إليه.

ولكن هذا الحراك الشعبي دفع الملك للمسارعة بوضع دستور جديد، لكن بالنظر إلى ما تحقق ديمقراطيا، كان الدستور على غرار الدساتير السابقة دستورا ممنوحا، ولم يتم من خلال انتخاب جمعية تأسيسية، وبالتالي، اختلف عن الدساتير التي وُضعت في تونس أو مصر، لأنه تم بمبادرة ملكية وأتى من استفتاء حاز على تزكية شعبية.

إذا كنا نتحدث عن أن الدستور هو تعبير عن إرادة أمة، فهذه المسألة لم تتوفر في دستور فاتح يوليوز 2011، الذي جاء مباشرة بعد خطاب 9 مارس، لأنه كان تكريسا للدساتير السابقة التي عرفها المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. فبالنظر إلى ما تقضيه الديمقراطية الحقة، الدستور الجديد لم يكن نابعا من إرادة شعبية، وإنما كان من مبادرة ملكية. علاوة على أن الاستكمال التشريعي والقانوني لمجموعة من القوانين التنظيمية التي جاءت في الدستور لم تتم المصادقة عليها، ولم يتم إخراجها إلى حيز الوجود بعد مُضي ثماني سنوات.

من الناحية السياسية، وعلى عكس ما نص عليه من توزيع للسلط، فمؤسسة رئاسة الحكومة مع بنكيران، كان من المفروض أن تعمل على تطبيق الدستور، وهو الشيء الذي لم يتم. وفي المقابل تم تطبيق الدستور بتأويل سلطاني، وفضل رئيس الحكومة السابق أن يرجع إلى الملك في كل صلاحياته.

كما أن الحكومة كانت مسيّجة بمجموعة من الفرامل والتضييقات السياسية في عملها، إذ كيف يعقل أنه مع حكومة بنكيران، أصبح مستشارو الملك يلعبون أدوارا كبرى سواء في مشاركتهم في انعقاد المجالس الوزارية، أو توقيعهم على بعض الاتفاقيات. خطاب رئيس الحكومة كان يحيل دائما أنه موظف لدى الملك، وجميع السياسات الاستراتيجية كان يقررها رئيس الدولة، وبالتالي، خطاب بنكيران وتأويل مقتضيات الدستور جعلت أن كل ما كان يرجى من تطبيق ديمقراطي للحياة السياسية وتوزيع الصلاحيات بشكل مستقل لم يتم، وهذا الأمر جعلنا نعيش ملكية تنفيذية أكثر مما نعيش ملكية بتوزيع صلاحيات بين المؤسسة الملكية ومؤسسة رئاسة الحكومة.

ما هي الأمور السياسية التي غابت بعد خطاب 9 مارس؟

هناك بون شاسع بين الخطاب وبين تطبيقه، لأنه الآن أصبح الحديث عن ملكية تنفيذية أكثر من الحديث عن ملكية دستورية. ما كان يرجى من ضرورة الانتقال من ملكية قوية، التي كانت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إلى ملكية أكثر توازنا في السلطات وتوزيع الصلاحيات، أمر لم يتم تطبيقه، بل أصبحنا نرى بأن الملك يقوم بكل المهام وينتظر منه أن يتدخل في كل القضايا، وهو ما جعل الملك بنفسه ينتقد هذه الوضعية، ويلح على ضرورة أن يقوم كل فاعل بمهامه، لأن المواطنين أصبحوا يقصدونه في كل قضاياهم سواء أكانت صغيرة أو كبيرة.

في نظرك ما الذي أعاق تنزيل الوثيقة الدستورية التي حملها خطاب 9 مارس؟

الذي أعاق هذه المسألة هو السياسة العامة للمؤسسة الملكية، المرتبطة بمرجعتها الدينية والسياسية، وبمكوناتها المخزنية، التي تحول دون أن تترك مجالا كبيرا لباقي المؤسسات، ففي بداية حكم الملك محمد السادس كانت هناك مقاربتان، مقاربة تقول بضرورة القطيعة مع مرحلة الملك الحسن الثاني، ومقاربة ثانية، تدعو إلى التريث. وهنا ظهر أن مقاربة التريث هي التي يتم العمل بها، بدليل أن بعض المراسيم السياسية ومكونات البرتوكول المخزني، لم يتم القبول بتجاوزها. وتم الإبقاء على هذه المقاربة لأن المجتمع لم يستطع الانتقال من الوضع السلطاني إلى الوضع الديمقراطي.

كما أن النخب التي من المفروض أن تقود هذه العملية الديمقراطية بعد خطاب 9 مارس، توارت إلى الوراء وتركت المؤسسة الملكية في الواجهة.

النخب السياسية داخل البرلمان أو خارجه شاركت في عملية التريث والاستفادة من الوضع القائم، وربما هذه المسألة تعود إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي لم يعمل على تهييئ النخبة السياسية الجديدة، وبالتالي فحينما جاء الملك محمد السادس وجد نخبة سياسية شائخة، والتي لم تكن لها الجرأة الكافية لكي تقوم بتطبيق الدستور الذي جاء بمقتضيات جديدة، والدليل على هذا أن عبد الإله بنكيران أوّلَ الدستور بشكل أكثر محافظة ورجعية ولم تكن له الجرأة السياسية ولا النخب المحيطة به لكي يطبقوا المقتضيات الجديدة للدستور.

هل تعتقد أن المغرب ماض بعد الإصلاحات التي حملها خطاب 9 مارس في تكريس الخيار الديمقراطي، أم سيتم التراجع عنه؟

الملاحظ حاليا أن الملكية تصدرت المشهد السياسي بشكل عام، غير أن المقاربة الحالية تظهر رغبة الملكية في امتلاك صمام الأمان. ويتضح أن الطبقة السياسية حاليا تفتقر للعب دور الوسيط وأن تكون صمام الأمان للملكية التي أصبحت تجد نفسها في مواجهة الحراك الشعبي.

إلا أنه بالنظر إلى تحقيق الإصلاحات التي جاء بها الدستور بعد خطاب 9 مارس، فالحقيقة تقول بأن كل الفاعلين لهم رؤية إصلاحية، ولكن كل واحد منهم يتمثل هذا الإصلاح من منظوره الخاص.

المؤسسة الملكية تعتقد أنه إذا كانت هناك إصلاحات، لا ينبغي أن تؤثر على دورها السياسي والريادي والسيادي داخل المنظومة السياسية ككل، فبالنسبة إليها لا ينبغي أن تكون أي مؤسسة وسيطا بينها وبين الشعب، وأي إصلاح يتجاوز هذه الحدود سيتم إقباره أو إجهاضه، وحاليا يتم الالتفاف على كل الإصلاحات التي تمت الدعوة إليها.

شارك المقال