أوريد: على الدول العربية الاعتماد على تعليم علماني -حوار

11/03/2019 - 08:32

بوصفه مفكرا وأديبا، خارجا من كهنوت السلطة، محملا بتجربة خصبة ومثيرة للجدل، يستطيع حسن أوريد –الذي أماتته الإشاعة هذا الأسبوع- أن يقدم إضاءة جيدة على القضايا الخلافية في البلدان العربية. في هذا الحوار، يكثف أوريد أفكاره إزاء الدين والسياسة.

 

ما هي الأفكار التي تريد طرحها على العالم العربي والغرب من خلال هذا العمل المعنون «سيرة حمار»؟

كتبت هذه الرواية في أعقاب فشل « الربيع العربي »، أي بعد دخول الجيوش على الخط، ما يعني أن شيئا ما قد مات، وهو الشيء الذي يُفهمُ منه أنه ليست هناك إمكانية من أجل تحقيق وحدة العالم العربي. في تلك الفترة بالضبط، عقدت العزم على كتابة هذه الرواية؛ يتعلق الأمر بعمل فلسفي وسياسي مستوحى من رواية « الحمار الذهبي » للكاتب لوقيوس أبوليوس، وهي أول رواية في التاريخ، والرواية اللاتينية الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة. في الحقيقة، ترتكز الرواية على رؤية سياسية وفلسفية تسعى إلى التأكيد على أن شمال إفريقيا لا علاقة له بدول المشرق العربي، إذ لديه هويته الخاصة وأنه كان دوما أقرب بكثير إلى الجنوب الأوروبي منه إلى بلدان أخرى. هذه هي الفكرة. وهذا هو السبب الذي جعل أطوار الرواية تدور في منطقة شمال إفريقيا إبان الإمبراطورية الرومانية (لا يجب إغفال أن جزءا من المغرب و مصر كان من بين المقاطعات الرومانية). بطل الرواية درس اللاتينية، وانتقل للعيش بروما، التي كانت تربطها في ذلك الإبان علاقات جد وثيقة بشمال إفريقيا. نيتي كانت التذكير بأن الجغرافيا تلعب أدوارا مهمة، لكننا نميل إلى إغفال تأثير القرب الجغرافي. شمال إفريقيا يوجد على مرمى حجر من أوروبا وهذا يحتم علينا أن نمد الجسور. صحيح أن هناك معيقات تاريخية ومادية تعقد هذا التفاهم، لكن أعتقد أننا كمثقفين يجب علينا تبديد هذه المعيقات، من أجل تحقيق التحالفات المنشودة؛ وما قضية الهجرة عنا ببعيدة، إنها مشكلة كونية تفرض علينا أن نعمل معا لإيجاد حل كوني لها.

ماذا تبقى من تأثير الربيع العربي؟

أعتقد أن التأثير الأولي خف، لكن يجب الإقرار بأن أشياء كثيرة تغيرت، وأشياء أخرى كثير يجب أن تتغير، لا أعرف كيف؟ لكن شيئا ما يموت في البلدان العربية، وما يولد من جديد لا يشبه سلفه، هناك ما قبل وما بعد الربيع العربي.

هل تعتقد فعلا أن المثقفين يسهمون في مد جسور هذا التفاهم؟

جزئيا، نعم. لكن ما يتم القيام به ليس كافيا. ما أحاول شرحه هنا هو أن لا بديل عن التفاهم بالنسبة إلى شمال إفريقيا. لهذا من المهم جدا أن يلعب المثقفون هذا الدور المتمثل في مد الجسور.

أنت معروف بدفاعك عن إعادة التفكير في دور الدين في العالم العربي. كيف ذلك؟

بكل تأكيد، أعتقد أن الدين يمكن أن يكون مصدر الكثير من المشكلات. إذا كنت تنظر إلى الأشياء من منظور الدين أو من خلال وجهة النظر المتحيزة التي يقدمها يمكن أن يصبح الدين مشكلة، لأنه يجعلك ترفض الآخر. عندما يكون مصدر القيم الأخلاق (ética) تختفي هذه المشكلة لأنها قيم كونية. لهذا، أعتقد أن الغرب أدرك ذلك واتخذ تصورا خاصا للدين، وهذا هو سبب محاولة فصل الدين عن السياسة، والدولة عن الدين. نحن، لسوء حظنا، لم نبلغ بعد هذا المبلغ. إذ لازال الدين يُوِجِّهُ العالم العربي، وهذا هو السبب الذي جعلني أخلص إلى أنه لا مندوحة من إعادة التفكير في دور الدين. في الواقع، يحضر الدين في العالم العربي بقوة، إلى درجة أنه يوجه الحياة السياسية والثقافية في معظم هذه البلدان. مسألة أخرى هي مكانة الدين؛ هناك تياران؛ تيار ينافح من أجل تحديث الإسلام وتيار آخر يرى أنه من الضروري أسلمة الحداثة. وأنا أدافع عن خيار ثالث؛ تحديث المسلمين.

جيد، ولكن من أين البدء؟

كل هذا لن يتأتى إلى عن طريق التعليم. المشكلة هي أن التعليم مشروع ويتطلب وقتا، ولا يمكن أن تجني ثماره بين عشية وضحاها. يجب أن تزرع البذور وتسقيها وتنتظر، لهذا من المستعجل الاستثمار في التربية والتعليم. علاوة على ذلك، يجب على الدول العربية أن تعتمد تعليما علمانيا؛ أي يجب أن يخرج الدين من المدارس والمعاهد؛ كما يجب أن يُتعامل معه كشأن شخصي، لكن، للأسف، لازالت هناك الكثير من الطابوهات. عندما يتم الحديث في (العالم العربي) عن التعليم العلماني يقع الخلط بينه وبين الإلحادية، رغم أنه لا علاقة بينهما. إذن، دور المثقف هو تكسير كل هذه الطابوهات.

تسللت وسائل التواصل الاجتماعي إلى معادلة التربية، هل الشيء نفسه يمكن قوله عن العالم العربي؟

لوسائل التواصل الاجتماعي تأثير سلبي، لأنها تسهم في نشر المعلومة على حساب المعرفة. هنا أستحضر مقولة للكاتب توماس ستيرنز إليوت: « أين هي الحكمة التي خسرناها مع المعرفة؟ وأين هي المعرفة التي خسرناها مع المعلومة ». نحن محاطون بالمعلومة التي لا تسهم بالمطلق على تحسين المعرفة. الطريق الوحيد لبلوغ المعرفة هو المدرسة.

لننتقل إلى قضية لها راهنيتها. الأفكار المتطرفة تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كيف يمكن مراقبتها؟

هذه مشكلة حقيقية تمسنا جميعا. لذلك لا أعتقد أن المقاربة الأمنية وحدها قادرة على مواجهة التطرف، بل يجب العمل في حقل التربية. يجب أن نعمل معا. هناك الكثير من المشكلات العالمية التي لا يمكن النظر إليها من منظور محلي. وخير دليل على ذلك الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في السنوات الأخيرة.

منعت السلطات المغربية الأئمة سنة 2014 من الخوض في السياسة أثناء إلقاء خطب الجمعة. هل هذه مقاربة أخرى لمحاربة التطرف؟

نعم. يجب على الأئمة نقل أفكار متنورة ودية بعيدة عن أفكار الكراهية والميز. شخصيا، أعتقد أنه من مسؤولية الدولة مراقبة محتوى الخطب؛ الأئمة يجب أن يبقوا بمنأى عن السياسة.

الحركة النسوانية عاشت سنتين متوترتين في الغرب. ما انعكاساتها على العالم العربي؟

تحدث الكثير من الأشياء في الدول العربية التي لديها علاقة بالنسوانية، وبالحريات الفردية. لا أعرف إن كنا نستطيع تطبيق البرنامج الاجتماعي نفسه، لكن، بكل تأكيد، يجب القيام بمجهودات مكثفة بُغية تحسين وضعية المرأة. هناك مسلسل مفتوح. وبديهي أن تقاس حداثة مجتمع ما بطريقة التعامل مع النساء.

عن «دياريو دي قرطبة

شارك المقال