تراكم الاحتقان!

18/03/2019 - 14:53
تراكم الاحتقان!

السياسة ليست علما دقيقا بالتأكيد، لكن التفكير في السياسة من زاوية العلم، أضحى منذ زمن غير يسير يتحصن بقواعد علمية صارمة، لذلك ليس مستغربا أن ترتفع المطالب بفصل علم السياسة عن باقي فروع القانون العام، خاصة في البلدان التي تواجه على مدى عقود «ضائقة» ديمقراطية…، المتأمل في الحراك الاجتماعي بالمغرب يقف على أنه يتخذ منحى تراكميا ويحتاج إلى القدرة على فك رموزه علميا وليس بمنطق «التدبير اليومي»، قد يبدو، ظاهريا، أن الحراك الاجتماعي في المغرب يتم بنفسٍ يحكمه عدم الترابط، لكنه في العمق يؤشر على عكس ذلك، إذ لا تخطئ العين أن الأمر يتم وفق نسق تراكمي، من احتجاجات مناطقية (الريف، جرادة، زاكورة، مواجهة الرعي الجائر بسوس…)، إلى احتجاجات قطاعية (الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، رجال ونساء التعليم، الأطباء، الصيادلة، طلبة كليات الطب…)، يضاف إلى ذلك، حركة المعطلين والعاطلين من حاملي الشهادات والطلبة الجامعيين والشبيبة المدرسية، التي توجد في غالبيتها في حالة كمون تنتظر اللحظة المناسبة التي تعبر فيها عن غضبها مما يتم طبخه سواء لمعالجة إشكالية بنيوية كالبطالة أو ما يتم التوافق حوله فيما يتعلق بالتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، هذه المجموعات والمناطق، إذا أضيفت إليها أحزمة الفقر والبؤس في كبريات الحواضر والمدن، والفئة الدنيا من الطبقة الوسطى التي انزلقت سريعا إلى مشارف الفقر، وسكان أغلب البوادي الذين يعيشون على هامش شعارات وخطابات بيروقراطية العاصمة، تمثل مجتمعة، برميل بارود حقيقي، لا تنقصه سوى شرارة صغيرة لن يفتقدها طويلا مع استمرار بؤس السياسة، والإمعان في تمييع الوسائط التقليدية من أحزاب ونقابات ومنظمات المجتمع المدني.

الغالب في شكل التعاطي الرسمي مع هذه الحركات الاحتجاجية، هو منطق التهدئة والمسكنات ومنطق رجال المطافئ مع غير قليل من البهارات الأمنية، وبصفة عامة تطغى المقاربة التقنية كبديل جاهز في غياب القرار السياسي الذي ينفذ إلى عمق الإشكالات البنيوية، التي لا تمثل تلك الحركات الاحتجاجية سوى رأس جبل الجليد فيها، وكأي مقاربة لا تنفذ إلى النسق المتحكم بأعطابه في إفرازها، فإن معالجتها تشبه إلى حد كبير إغلاق جرح متعفن دون علاجه، ويمكن توقع النتائج الوخيمة لهكذا معالجة…

صحيح أن الحركات الاحتجاجية في المغرب ببعديها المناطقي والقطاعي ما بعد حركة 20 فبراير، ظلت حبيسة مطالب بأبعاد اجتماعية، وأنها إلى اليوم، لم تنخرط في عمق الإشكال الذي تتفرع عنه باقي المشاكل ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي، وهو الإشكال المتعلق بالسلطة والديمقراطية، وهو إشكال رافق أجيالا ونخبا مختلفة في السلطة كما في المعارضة، وذلك منذ الاستقلال إلى اليوم، وقد أثبتت تجارب الأمم المختلفة، أن الشعوب قد تتغافل عن طرح قضية السلطة لفترة قد تمتد أو تقصر، وأنها بطبعها تنزع لمنطق التفاوض وتتصرف بعقلانية وبرغماتية، حيث يمكن القول إن حراكها، وكيف ما كان شكله، فإنه يتسم بنزعة إصلاحية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من «انقراض» للثورات الجذرية الكبرى وصعوبة بناء أنظمة جديدة في ظل التعقيدات التي باتت تواجهها الدول، لكنها عادة ما تصادف بشكل مؤسف، بنية سلطوية منغلقة تعتقد أنها حققت انتصارا تاريخيا ونهائيا على شعوبها، وفي لحظة معينة يقع «الانفجار العظيم»…، وما يقع في الجزائر اليوم مثلا، هو صورة لمثل ذلك الانفجار، وهو انفجار يذكرنا بأن قواعد الثورات والانتفاضات، هي مثل قواعد الفيزياء، فالغليان يتم على درجة حرارة محددة، وكل تجاهل لتلك القواعد، فإن ثمنه يكون غاليا.

بوضوح أكبر يمكن القول إن ما نشهده من حركات احتجاجية متفرقة منذ سنتين على الأقل، ليست حالات معزولة أو مما يمكن «سحقه»، فالمقاربة الأمنية قد تنتصر لبعض الوقت، لكنها لا تعالج الاختلال الحاصل في بنية السلطة، بل على العكس من ذلك، نجد أنها لا تساهم سوى في تراكم الاحتقان…

شارك المقال