ما الذي قد تجلبه أحداث الجزائر لفرنسا؛ الأمل أو الخوف!؟

27/03/2019 - 01:00
ما الذي قد تجلبه أحداث الجزائر لفرنسا؛ الأمل أو الخوف!؟

حسب هوبير فيدرين؛ وزير خارجة فرنسا السابق؛ فإن:«ما يجري أمر جد واعد»

 

@ أجرى الحوار: فرانسوا كليمونصو ترجمة: إبراهيم الخشباني

 

هل علينا أن نكون مبتهجين أو قلقين مما يجري حاليا في الجزائر؟

ما يجري في الجزائر يكتسي أهمية قصوى. إنه بداية إذابة جليد نظام ظل جامدا منذ وصول بومدين إلى السلطة في سنة 1965. إن الأمر إذن، جوهري. وحتى إذا كان تراجع بوتفليقة عن الترشح، والانطلاق في مسلسل جديد من الإصلاحات المؤسسية ليس إلا تكتيكا، وطريقة لربح الوقت؛ فإننا أمام دينامية أخذت سيرها. فابتهاج الرأي العام على صواب؛ لأن ما يجري منذ أسابيع أمر واعد جدا. هذه الجموع تثير الإعجاب سواء بحجمها أو بهدوئها. والسلطات الفرنسية، توجد في وضعية مسئولية؛ ولها الحق في أن تكون مبتهجة بحذر، لأن إذابة الجليد هذه يمكن، كذلك، في النهاية أن تتحول إلى ارتباك وفوضى.

لماذا؟

لأن لا أحد يعرف كيف يمكن للأمور أن تمضي فيما بعد. فهناك قوى سوف تستيقظ، تتنافس، وربما – هو ما لا نتمناه- قد تشتبك فيما بينها. كيف سيكون مصير ذلك الحوار الكبير الذي وُعِد بأنه سوف ينتهي إلى إصلاح للدستور وإلى استفتاء عليه؟ وما مصير هذه التعبئة في الشارع؟ وما مصير القوى السياسية التقليدية؟ هل ستتمكن من النهوض من جديد، أم ستنتهي بها الأمور إلى فقدان كل مصداقية؟ والإسلاميون، هل يستطيعون أن ينبعثوا من جديد؟ وبأي هدف؟ وماذا سيكون موقف الجيش؟ لا أحد يعلم. إن هذا المسلسل الذي انطلق؛ سوف لن يتوقف في الأسبوع المقبل أو خلال شهر؛ إنه ربما قد يستمر سنة أو سنتين، بل ربما أكثر. غير أن الأمور يمكن في المقابل أن تجري على أحسن ما يرام؛ لنتمنى ذلك على كل حال.

لقد اختارت فرنسا، منذ البادية ألا تكون؛ «لا في اللامبالاة ولا في التدخل»، وذلك قبل أن «تحيي» انسحاب بوتفليقة وقبل أن تدعم المسلسل السياسي الجاري…

أنا أوافق على هذا التحفظ وعلى روح المسؤولية هذه. فليست أخلاق الإدانة هي التي يجب أن تقود الحكام في مثل هذه الحالات. ولطالما رأينا في أماكن أخرى من أضرار تسببت فيها العقليات التبشيرية، والفلسفية، والدبلوماسية! ومهما كان رأينا في هذه الأساليب؛ فإنها في أساسها لا تفيد، أو لم تعد تفيد؛ بل إن نتائجها تكون في الغالب عكسية، وخصوصا بالنسبة إلى الجزائر؛ ثم إن الجزائريين لم يطلبوا منا شيئا.

هل هذا يعني أننا يجب ألا نكترث للعلاقات الفرنسية – الجزائرية، أو أن نطبع معها؟

عدم الاكتراث؛ لا. أما التطبيع معها؛ فنعم. تماما مثلما فعلنا نحن والألمان. بالطبع سوف يظل دائما بيننا تاريخ معقد ومؤلم؛ ولكن يجب تهدءته، والعمل على كسر كل محاولات توظيفه كرهان ينبعث من الذاكرة. وباختصار، لنبتعد عن كل نرجسية وعن كل أنانية، خصوصا وأن ما انطلق في هذه الآونة بالجزائر سيكون له تأثير سواء لدى جيرانها أو داخل محيطها المتوسطي والأوروبي.

ما نوع المجازفة بالنسبة إلى فرنسا إذا ما دعمت حراك الاحتجاجات بصفة أكثر وضوحا؟

إنه خطر ألا يكون ذلك مفيدا، أو أن يأتي بنتائج عكسية. فغالبا ما يوجد، على اعتبار نفسيتنا، تناقض بين الصدى العاطفي والانفعالي للأحداث وبين الآليات الحقيقية المتوفرة لدينا للتعاطي معها. وفي الواقع؛ ليس هناك منذ عدة سنوات أي قرار أتّخذ في الجزائر تحت تأثير من فرنسا. إن المجازفة توجد بالنسبة إليهم أولا؛ إذا ما آل المسلسل الذي نتمنى نجاحه إلى الفشل. أما في فرنسا؛ فعلينا ألا نتخذ مواقفنا بناء على الانفعال الإعلامي اليومي. بل يجب الخروج من حالة العُصاب الفرنسية-الفرنسية والفرنسية-الجزائرية، وأن نكون واقعيين، ومتواضعين، وإذن، فَعَّالين؛ بأن نفكر على المدى الطويل، وبهدوء ورباطة جأش.

حتى واليمين المتطرف، ومعه قوى أخرى تحاول أن توجه النقاش نحو خطر الهجرة من الجزائر..

علينا ألا نسقط في الانغلاق داخل هذه التوظيفات والاستغلالات الحزبية والديماغوجية. صحيح أن هناك في الجزائر 000 200، من حاملي الجنسية المزدوجة؛ إن مسألة الهجرة موجودة، وعلينا ألا ننكرها. إنه من الضروري التوصل إلى تحكم أفضل في التدفقات المهاجرة بين دول المغادرة، ودول العبور، ودول الوصول. وهذا هو معنى ما اقترحه الرئيس ماكرون من إعادة النظر بصفة شاملة في معاهدة « شينغين ». وبالمقابل، إذا تصورنا أن الأمور تطورت إلى الأفضل؛ فإن العديد من عناصر الجالية الجزائرية في الخارج سيعودون إلى بلادهم؛ لأنها ستكون في حاجة إليهم. وهذا ما كنت لأقوله حتى لو كانت هناك انتخابات في فرنسا بعد شهرين من الآن؛ إنني سأقول الشيء نفسه.

لقد كنت في الحكومة إبان احتجاجات أكتوبر 1988 التي أدت إلى ظهور الإسلام السياسي، والانقلاب على الدستور، والحرب الأهلية. هل التاريخ بالنسبة إليك يعيد نفسه؟

لا؛ التاريخ لا يتلعثم، ولا يعيد نفسه. فهذا الحراك الضخم والهادئ لا علاقة له مع ما جرى في تلك الحقبة من مصادرة العسكريين للانتصار الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي كان متوقعا في الدورة الثانية لانتخابات 1991. فاليوم، يتعلق الأمر بنظام تم وضعه منذ عقود وهو الآن آخذ في التفكك؛ إن ما يجري اليوم في الجزائر يذكرني بما جرى في أوروبا الشرقية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. ثم إن كل شيء ممكن.

شارك المقال