كانت الساعة تُشير إلى العاشرة ليلا في قسم المستعجلات، في مستشفى محمد الخامس، في مدينة أسفي، حيث ينتظر عدد من المواطنين، والمرضى في طابور غير منتظم زيارة طبيب القسم، الكل يترقب دوره، بينما يتحين آخرون الفرصة ليقتحموا باب قاعة طبيب المستعجلات من دونَ نظام، أو تناوب.
يُحاول رجل الأمن الخاص تنظيم دخول المرضى لزيارة طبيب المستعجلات، وسط أنينهم وتأوهاتهم، وصياح دويهم، حول من يدخلون إلى قاعة الطبيب من دون إذن: « هاد سيدة لحقاش خدامة معاكم كتدخل مابغات، وبلا نوبة هادشي عار.. »، هكذا عبرت سيدة رفقة إحدى أقاربها عن جام غضبها، بعدما فطنت في لحظة إلى أن إحدى الممرضات، تعمل في المستشفى، أدخلت شخصا مريضا معها ليفحصه الطبيب من دون ان ينتظر في هذا الطابور العريض، والمتشعب، حيث أصبحت الخصامات، شيئا مألوفا لدى الجميع.
رجل الأمن الخاص في قسم « المسار الأحمر » في المستشفى المذكور، لم يتردد في تقديم نصائح طبية للعائلات من دوي المرضى، وقال لأحد الأشخاص، الذي ينتظر شخصا من أقاربه « شوف أخويا، المعدة عندها ما فيها والو.. دابا غادي نعطيوها غشوية الأكسجين، ونديروا ليها « سيروم »، ونخرجها لك، غير تسنا.. »
وقال حارس الأمن لـ »اليوم24″: « أنا لم أدرس الطب، ولا أفقه فيه شيئا، لكن بحكم الممارسة تعودت على أشياء كثيرة.. إني أحيانا أقدم خدمات طبيبة مهمة كـ »وضع « السيروم ».. والضمادات، خصوصا حينما يكون الاكتظاظ في المستشفى.. إذ كثيرًا ما نعوض الخصاص الحاصل ».
وفي غرفة من قسم المسار الأحمر، الذي يُفترض أن يكون المكان، الذي يستقبل حالات الطوارئ، يفترش عدد من المرضى الأرض، لأن أسِرة القسم لا يتجاوز عددها ثمانية، بينما مدينة أسفي عدد سكانها حوالي 900 ألف نسمة.
ولا يتمكن طبيب قسم المستعجلات، نظرا إلى الضغط الكبير، من تشخيص الأمراض بشكل جيد، إذ لا يستغرق فحصه للمريض من دونَ النهوض من كرسيه إلا أقل من 5 دقائق، ثم يوقع له وصفة الدواء. »
يونس، أحد المرضى، قال لـ »اليوم24″: « لقد كنت أعاني مرض السل، وحينما زرت طبيب المستعجلات شخص لي أعراضا تتعلق بـ »نزلة برد عادية »، ولولا زيارتي لطبيب خاص فحصني، لكنت مت.. ».
وتربط مصادر طبية هذه الأخطاء بقلة الأطباء في مستشفى محمد الخامس في أسفي، والضغط، الذي يكون على الطبيب الواحد أثناء مناولته البينية.
وكشفت صور من داخل مستشفى أسفي عيوبا، وشقوقا كثيرة في قسم المستعجلات، بينما سارعت إدارة المستشفى إلى تدارك بعض الأعطاب، غير أنه لوحظ إغلاق عدة أقسام من داخل المستشفى، أبرزها قسم مستعجلات آخر مهيئ، لا يُفتح إلا خلال الزيارات الرسمية للمسؤولين.
« محمد »، الذي نجا من الموت بأعجوبة، حينما سقط من أعلى إحدى البنايات، التي كان يعمل فيها، ظهر ذلك اليوم، يتوعك، لكن لا أحد يهتم لأمره، يمر من أمامه الممرضون، والمسعفون، والمواطنون وحدهم من يهتمون بالاطمئنان على حالته الصحية، « اليوم24 » تتحدث مع « محمد »، الذي يقول بصوت منخفض تغمره الآلام « جابوني أخويا مع 8 ونصف ومكاينش لدخلني للطبيب.. ».
وكشف عدد من المساعدين الطبيبين، الذين يُقدمون الاسعافات الأولية في مستشفى محمد الخامس في أسفي لـ »اليوم24″ أنهم، منذ 4 شهور لم يتقادوا أجورهم، بعدما انتهت عقدة شركة، « RIMAS » التي فوض لها مدير المستشفى تدبير عمليات « النقل، ومساعدة المرضى داخل المستشفى ».
وكشفت مصادر جيدة الاطلاع لـ »اليوم24″ أن مقدمي الاسعافات الأولية، يتعرض لمضايقات شديدة من طرف مسؤوليهم، الذين يجبرونهم إلى حدود اليوم على العمل كمتطوعين، إذ لا يدفعون لهم أجورهم.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الشركة، المفوض لها تدبير القطاع، لا تتوفر على معدات لوجستيكية لنقل المرضى، ما يضطر المساعدين، والذين لا يتعدى عددهم 9 في مستشفى أسفي إلى التعرض لشتائم المواطنين، والمرضى، الذين لا يجدون بدورهم من يُساعدهم.
ومن جهته، استنكر المكتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة، المنضوية في إطار الكونفرالية الديمقراطية للشغل، ما وصفه بـ »الوضع الكارثي »، الذي وصل إليه الوضع الصحي في إقليم أسفي، خصوصا في المستشفى الإقليمي محمد الخامس، مشيرا إلى أن المستشفى أصبح يعيش على إيقاع فوضى عارمة في التسيير والتدبير المالي، والإداري.
واتهمت النقابة المذكورة، في بلاغ، توصل « اليوم24 » بنسخة منه، مدير المستشفى، ورئيسة القطب الإداري بالتسبب في الأوضاع المذكورة، من جراء المعاناة اليومية للشغيلة الصحية، التي أصبحت تُعاني بسبب ظروف العمل « المتردية » والنقص الحاد في الوسائل، والتجهيزات، والموارد البشرية.
وكشف المصدر ذاته أن مستشفى أسفي تحول من طرف الإدارة إلى حلبة صراع لتحقيق أغراض انتخابية ضيقة، لا علاقة لها بالأهداف المتوخاة من مستشفى إقليمي، وذلك باستغلال مآسي المرضى، وآلامهم… ما انعكس سلبا على الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين ».
وتساءلت النقابة ذاتها عن سكوت الوزارة بكافة أجهزتها عن معاناة المواطنين، والعاملين في المستشفى، على الرغم من مراسلات المكتب الوطني للصحة لأعلى المسؤولين في الوزارة، التي اكتفت بإيفاد لجنة للبحث في إحدى الصفقات المشبوهة، والمتعلقة بالإطعام في المستشفى، وبطلاها المدير، والمسؤولة عن القطب الإداري، لكن إلى حدود الآن، لم نلمس إلا سكوت الوزارة، وحيادها السلبي، وكأنها ليست بالمسؤولة، أو لربما هو نوع من التواطؤ لبعض مع بعض من أجل أغراض، وحسابات أخرى لا علاقة لها بتلبية الحاجيات الصحية للمواطنين، ولا الحاجيات المهنية للعاملين، بحسب النقابة.
النقابة المذكورة خاضت وقفة احتجاجية، يوم الجمعة الماضي، احتجاجا على الأوضاع المذكورة، وأفاد مكتبها النقابي أنه لا يمكن التغاضي، والسكوت عن أي مظهر من مظاهر الفساد، وسوء التسيير، والتدبير، والتسيب، والفوضى، التي تؤدي إلي ضرب الحق في الصحة للجميع، والتخلي عن تقديم الخدمات الصحية اللازمة للمواطنين، وكذا المس بالحقوق والحريات النقابية، المضمونة دستوريا، وفقا لما جاء في البلاغ.

