لا يمكن لشهر يناير أن يمر على الجزائريين دون أن يتذكروا ما وقع ليلة الحادي عشر من هذا الشهر في سنة 1991، عندما أطلّت عليهم مقدمة الأخبار في التلفزيون الرسمي لتطلعهم على قرار اتخذه المجلس الأعلى للأمن يفيد بتوقيف المسار الانتخابي، في وقت كانت فيه التحضيرات جارية على قدم وساق، لإجراء الدور الثاني من هذه الانتخابات.
الإعلان عن قرار توقيف المسار الانتخابي أدى إلى « تململ وارتجاج في الساحة الجزائرية وقتها، بعد المعارضة التي أبدتها العديد من الفعاليات السياسية، معتبرة الأمر محاولة لوأد المسيرة الديمقراطية التي عاشتها الجزائر منذ سنة 1989، بعد إقرار « الدستور الجديد الذي سمح بالتعددية الحزبية في البلاد لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة.
ولم تمض سوى أيام معدودات على هذا التجاذب السياسي حتى بدأت المؤشرات الأولى للعنف في البروز، في شكل عمليات مسلحة استهدفت بعض رجال الأمن على مستوى العاصمة.
وطالت هجومات أخرى بعض الشخصيات، قبل أن يتطور الأمر أكثر ويتبين أن جماعات متطرفة، تنضوي تحت حزب « الجبهة الإسلامية للإنقاذ »، هي التي كانت وراء تلك العمليات، حسب ما أعلنته جهات رسمية وقتها؛ ولحد الآن، لم يُسمح للجبهة الإسلامية للإنقاذ بأن تقدم روايتها للأحداث؛ وإن كان أغلب قادتها ينفون انتماء جميع الفصائل المحاربة إلى الجبهة.
وقد انتشرت الأعمال الإرهابية في الجزائر مع منتصف التسعينيات، عندما طالت مئات المواطنين الأبرياء والعزل في مختلف المناطق الجزائرية، في شكل مجازر جماعية أثارت وقتها الرأي العام داخل الجزائر وخارجها، ودفعت البعض إلى المطالبة بفتح تحقيقات دولية فيما كان يقع في الجزائر.
وظلت الجزائر تتخبط في أتون هذه المواجهات المسلحة على امتداد أزيد من 10 سنوات كاملة، إلى غاية مطلع الألفية الجديدة، عندما قررت السلطة فتح قنوات حوار مباشرة مع ممثلين عن الجماعات المتشددة. قبل أن يتم ترسيم هذه الاتصالات باتفاق أصبح يعرف فيما بعد « ميثاق السلم والمصالحة الوطنية »، الذي سمح للعديد من المتشددين بالنزول من الجبال والاندماج مجددا في المجتمع. وتضاربت الأنباء حول مخلفات هذه الأزمة الأمنية المعقدة التي عرفتها الجزائر، في وقت تؤكد فيه بعض « المصادر على أنها خلفت أزيد من 150 ألف قتيل وملايير الدولارات كخسائر مادية ناتجة عن عمليات التفجير والتخريب التي طالب بعض المرافق العمومية والبنى التحتية.
واستمرت أعمال العنف إلى بداية الألفية الثالثة عندما أعلن الرئيس « عبد العزيز بوتفليقة » عبدالعزيز بوتفليقة بعد توليه الحكم في يوليو »13 يوليوز سنة عن مشروع إصلاحي تحت شعار: « الوئام المدني »، بإقامة مصالحة وطنية شاملة تمحو آثار « العشرية السوداء »عشرية السوداء التي مرت على « الجزائر »الجزائر. وهناك العديد من الملاحظين يؤكدون أن الإنجاز الوحيد للرئيس بوتفليقة، هو هذا فقط.
ثورة « يتنحاو كاع »
كل ذلك لم يكن كافيا؛ فالجزائر دخلت في أزمة خطيرة تتمثل في الفراغ على مستوى رأس السلطة؛ إذ بعد إصابة الرئيس منذ سنة 2013 بجلطة دماغية؛ استغل المقربون منه والمستفيدون من ريع الدولة ومن السلطة غيابه؛ أو غيبوبته. وأخذوا يتقاذفون المصالح فيما بينهم. فكان أن عدلوا الدستور، لتمكين بوتفليقة من ولاية ثالثة، ثم رابعة، ثم الخامسة التي أفاضت كأس صبر المجتمع الذي ثار منذ الإعلان عن نيته في الترشح.
ويبدو أن المنتفضين اليوم، واعون بمجريات الأمور، وقد استفادوا من تجارب أسلافهم. إذ حتى وهم يخرجون إلى الشوارع للتعبير عن ابتهاجهم بإرغامهم لأجهزة الحكم على استقالة بوتفليقة، سرعان ما يعودون إلى التذكير بأن هذا لا يكفي؛ وأنهم لن يقنعوا إلا بتحقيق شعارهم: « يتنحاو ﯕاع »..