أحوال الإمام مالك مع الدكتور أحمد كافي

06/05/2019 - 15:01
أحوال الإمام مالك مع الدكتور أحمد كافي

الدكتور أحمد كافي – أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

تستهدف هذه الحلقات الرمضانية الخفيفة الظل، التي لكل مقالة منها فكرة تعالجها، إلى تكوين رؤية عن مكانة الإمام مالك رحمه في صف الأئمة الكبار من أهل العلم والفكر والثقافة في باب العلوم الشرعية. وهي المقالات التي دعاني للكتابة فيها جملة أمور منها:

1التعريف بإمام وصاحب مذهب الديار المغربية والمعتمد رسميا في المجالس العلمية ووزارة الأوقاف، من حيث بيان مكانته عند القراء، ومن لا علم له به إلا نتفا يسيرة في أحسن الأحوال، أو منعدمة في أسوئها، لا يعرفون عنه سوى الاسم فقط.

2الوقوف عند بعض أهم معالم إمامة هذا الإمام في الفقه العملي الذي يحتكم المغاربة إليه في مدونة الأسرة؛ وفي المعاملات المالية التي تحتاج إلى موافقة المجلس العلمي الأعلى عليها، وفي غيرها من المواد المستمدة من مذهبه. وفق ما سيتيسر لي أن أبرزه وأجليه.

3التمييز بين الجد والهزل في التعامل مع مذهب الإمام مالك وتراثه، حيث يتم توظيفه توظيفا سيئا فيما يخدم المصالح الضيقة لبعض القوم، من العلماء والسياسيين والباحثين وغيرهم، ثم يضربون الصفح عنه معرضين إذا ألجمهم، وفضح سوء تصرفاتهم.

4الكتابة عن الإمام مالك بطريقة الجمع بين التعريف به أولا، وتنزيل أفكاره وتراثه على أرض الواقع الذي نحياه اليوم، من غير تقديس وغلو، أو تفريط وغرور.

ولقد أردت الكتابة فيه بطريقة سهلة ميسورة على المبتدئين، غير مخلة بالجودة عند العارفين، فلا تكون ثقيلة من حيث التزلف والتملق. بل تذكر ما يجب ذكره بوسطية واعتدال، وبما يخدم حاجة الناس إليه اليوم في مجال العلم والتعلم، والأدب والأخلاق، والسياسة والفكر… إلخ. وألا يكون مصطلح: المذهب المالكي من الثوابت، الذي يتقاذفونه بينهم كلام عار عن مضمونه وحقيقته.

كان الإمام مالك قليل الصلاة والصيام.. لأن الوقت الذي يستهلكه الآخرون في نوافل الطاعات، مثل الصلاة؛ والصيام… لم يكن موجودا عنده شيء من ذلك، بل كان يصرف وقته هو في طاعة أخرى قد أنس بها، وهو مرتاح معها وفيها، ولن يتعب فيها، ويجد لذة وهو يعالج أمرها، ويخوض غمارها، ويقوم بما يعجز عنه غيره، وهم في أمس الحاجة إلى الذي يصنعه في اختياره.

وهذا الأمر من مالك وأهل العلم المحققين، في اختيار الطاعات قد دل على:

أولا: أن كثرة طرق الخير في الإسلام لا تنحصر، ولا تنحصر حتى في الطاعات الظاهرة، بل إن الطاعات الشاقة على النفوس لا ازدحام فيها. وهي وإن كانت شاقة فهي في واقع الناس ونظرهم. وهذا من كمال فقهه بنفسه وميولاته الحسنة.

ولذلك علق ابن القيم على قول أبي بكر بن عَيَّاش: مَا سبقكم أبو بكر بِكَثْرَة صَوْم وَلا صَلاة، وَلَكِن بِشَيْء وقر فِي قلبه»، فقال في تعليقه، وهو يشيد بمكانة العلم ودوره وأهميته: «وَهَذَا مَوْضُوع الْمثل الْمَشْهُور: من لي بِمثل سيرك المدلل ** تمشى رويدا وتجيء الاول» (مفتاح دار السعادة).

ثانيا: إن مالكا رحمه لله تعالى رأى في نفسه أنها ميالة إلى العلم والفقه وأضرابهما، وأنه لن يسد أحد مسده، ولن يقوم غيره مهما حاول المقام الذي تحمده فيه البشرية، فتفرغ له، ومضى لا يلتفت إلى غير ما هو فيه. وهذا من فقهه في المعرفة الدقيقة بالنفس. ولقد قالوا: عاش من عرف قدره، وجلس دونه، ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك.

ونظرا لأنه أتقن اختيار عبادة العلم والدراسة والتدريس والتأليف، وكان فيها صادقا مع نفسه، مخلصا لما اختاره. فقد ارتفع شأنه بها، ارتفاعا لم يدركه من خاضوا في أبواب العبادات الخاصة بالإنسان: كنوافل الصلاة والصيام… وغيرهما. وقد شهد له الفطاحل بسداد مشروعه العلم الذي مضى فيه. فهذا عبد لله بن المبارك، يقول عن مالك: ما رأيت أحدا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. (سير أعلام النبلاء:).

أي لعل بينه وبين ربه من العمل في السر ما لم نطلع عيله، إذ لا يرفع لله تعالى إلا من كانت أعماله خالصة صوابا، لقوله عز من قائل: «يَرْفَعِ للَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ». [المجادلة:11].

وعلق الذهبي على قول ابن المبارك، بأن الأمر في ارتفاع نجم مالك بين أقرانه ومن سبقه ليس من السر الذي يجب أن نبحث عن فك رموزه، وإنما هو باب العلم الذي أحكمه وأتقنه، فقال في تعليقه: «قلت: ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به لله». (سير أعلام النبلاء:).

وصدق فيما قاله، فلو فرضنا أنه كانت له في نوافل الطاعات إكثارا لا يجاري غيره فيه، فهل كانت الأجيال ستستفيد منه مثل ما يستفيدون من الخير وإلى اليوم. ولقد كان يعلم وهو الفقيه الكبير أن الأعمال تتفاوت بآثارها، وأن ما كان منها متعديا نفعه إلى الناس، أو متعديا نفعه إلى الأجيال، هو أعظم في المكانة الدينية والدنيوية من كل عمل قاصر على صاحبه، لا يتجاوزه إلى الآخرين من حوله أو ممن سيأتون بعده. وإنما يعيش في هذه الحياة، وبعد الممات إلا من فرغ نفسه لما يحسنه، وأطلق العنان لقدراته حتى يكون الإمام المرجوع إليه، قال لله تعالى: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. [التوبة:122].

شارك المقال