أحوال الإمام مالك.. عالم المدينة لم تختره المدينة

08 مايو 2019 - 04:01

د. أحمد كافي.. أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء.

إنه الإمام مالك، أمير المؤمنين في الحديث، وأحد الفقهاء المشهورين. يغني ذكره عن تكلف الحديث عنه أو التعريف به. وقد تحدثت عنه كتب التراجم والطبقات واصفة إياه بأنه عالم المدينة الذي تشد الرحال إليه، من أجل ما عنده من الفقه والعلم والعمل. ويروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة”، وفي لفظ: “أفقه من عالم المدينة”، وكانوا يقولون إن المعني بهذا المدح مالك بن أنس. قال ابن عيينة: “إنه مالك، لم يبق له نظير بالمدينة”.

وهذه حال الديارات في كل زمان، تزهد في علمائها، وتنحاز إلى البعداء من أهل العلم والفكر والنظر من غير دارها.

ولكم عانى المغرب من تلميع صورة علماء من أهل المشرق وغيرهم، لا يصلون في مكانتهم العلمية العالِمَ المغربي الذي يعاصرونه ويعيش بينهم. ولكم عانى ابن حزم من هذه الوحشة وهذا الزهد فيه، حتى قال فيهم:

هنالك تدرى أن للبُعد قصة *** وأن كساد العلم آفته القرب

فوا عجباً من غاب عنهم تشوّقوا *** له، ودنوّ المرء من دارهم ذنب

ولكن لي في يوسف خير أسوة *** وليس على من بالنبي ائتسى ذنب

قال المناوي: وَذَلِكَ سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل من الأنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء ورثتهم. وَمن ثمَّ قَالَ بعض العارفين: كل مَقْدُور عَلَيْهِ مزهود فِيه، وكل مَمْنُوع مَرْغُوب فِيهِ”.

ولو رحنا نعدد من زهدت فيهم ديارهم، وقربوا الديار البعيدة عنهم، واعتنت بهم، ورفعت من أقدارهم، لتحصل من التفتيش والبحث مجلدات لا تفي بالآهات والشكاوى القديمة والمعاصرة.

وهذا ما جعلهم يروون قول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أزهد النَّاس فِي الْعَالم أَهله وجيرانه”، وفِي رِوَايَة: حَتَّى يفارقهم.

ومن هؤلاء الإمام مالك، عالم المدينة وفقيهها الأعظم، فقد زهدت فيه المدينة فاختار إماما آخر لها… وهو في الفقه لا يصل مالكا بما يشبه الإجماع، وإن فريقا ليعدون مالكا فقيها، وابن حنبل ليس من الفقهاء.

فهؤلاء الذين زهدوا فيه ولم يرفعوا لمالك وعلمه وفقهه رأسا، يشبه حالهم آخرين يدعون الانتساب إليه، وأنه ثابت من ثوابت الديار المغربية، وهم أزهد الناس في نشر علمه أو الدفاع عنه، بل كل فقه مالكي يغضب أهل الوقت ولا يريدونه، يجدونهم أعوانا في الزهد في مالك رحمه الله تعالى.

وقديما قال بعضهم عن المكيين وعن آفة القرب من البشر، والتي تقف حجابا أمام الانتفاع بما يرحل الناس إليه:

هذه مكة المنيعة بيتُ الله *** يسعى لحجها الثقلان

ويُرى أزهد البرية في الحج لها *** أهلها لقرب المكان

وهي شكوى المقري في نفح الطيب: “وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: “أزهد الناس في عالمٍ أهله”، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: “لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده”، وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وهم أوفر الناس أحلاماً، وأصحهم عقولاً، وأشدهم تثبتاً، مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، وتغذيتهم بأكرم المياه، حتى خص الله تعالى الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها على جميع الناس، والله يؤتي فضله من يشاء، ولاسيما أندلسنا فإنها خصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.