«رائحة الأركان».. منسيون في عمق الجبل -الحلقة3

09 مايو 2019 - 02:01

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

يوجد مقر الحزب على ربوة صغيرة بجانب الطريق داخل بلدة «تالوين». جلست أحتسي كأس شاي بداخله لحظة المغيب، مع قرب غروب الشمس يتحرك بعض الشباب يمنة ويسرة داخل المقر وخارجه، يحملون المناشير، في ما كان آخرون يحملون أقلاما وأوراقا، يسلم عليّ البعض ويعانقني البعض الآخر.

تخللت لقاءاتي المكثفة مع كل هؤلاء الشباب نقاشات جانبية، خلالها كان البعض يؤكد على دعمه المطلق لي، والآخر يبشرني بأن نجاحي في الانتخابات مضمون، ورغم شعوري بتعب شديد كان عليّ أن أبتسم في وجه الجميع، الناس وأهلي وعشيرتي هنا لا يطلبون شيئا، لا يريدون سوى ابتسامة في وجوههم والاستماع إليهم.

واصلت السماع وتبادل الحديث في مختلف المواضيع مع هذا وبحماس مع ذاك، أسمع حسرة أحدهم لأن الطريق لم يتم إنجازها بقريته، وغضب آخر لأن منطقته تفتقد للماء والكهرباء، كل أسئلتهم تهم قضية جماعية أو فردية. من ناحيتي أحاول أن أجامل الجميع، أرد على هذا وأجيب الآخر، أحاول أن أقدم وعودا قليلة، فبقدر ما تكون الوعود كثيرة يكون الإحباط أكبر، لذلك كنت محتاطا في أجوبتي.

ولأنهم من أهل الجبل، فبمجرد بداية غروب الشمس يشرعون في الانسحاب من مدينة «تالوين» في طريق العودة إلى قراهم ومداشرهم، فالطريق والمسالك إلى الجبل غير مضاءة إلا بضوء القمر.

بعد لحظات اكتشفت أني أمسيت وحيدا، أنازع تلك الوحدة بالنظر إلى هاتفي المحمول، الذي يحمل لي أخبارا تارة، وتارة أخرى صورا ورسائل قصيرة. وفي لحظة دخل شابان في مقتبل العمر يظهر على محياهما انتماؤهما إلى البادية، سلما عليّ بشكل بارد وخجول، كان أحدهما نحيفا يبدو أنه أنهك بالمشي طوال النهار، أما الآخر فكان قوي البنية يبتسم بهدوء ويظهر من عينيه عدم الاكتراث أو الاهتمام، ولا يتكلم كثيرا، يحمل بيده هاتفا حديثا، يختلس إليه النظر بين الحين والآخر، ولكن من حديثه يبدو أنه تحت سلطة وهمية يمارسها عليه ذلك النحيف.

ترددا في الحديث معي، وكانا يحاولان قراءة ما في قرارة نفسي من خلال النظر إلى عيني، ربما، كانا يسعيان لإدراك إلى أي طينة من الأشخاص أنتمي، سألني النحيف الذي كان أكثر جرأة :

هل يمكن أن أحدثك؟

أجبته: طبعا، تفضل.

بجانبي على الطاولة يوجد براد من الشاي، ملأت كأسين لهما وأنا أعتذر عما إذا كان الشاي باردا. تسلما الكأسين وهما مسروران وكل منهما نطق بكلمة الشكر، ثم أفرغت في كأسين كبيرين ماء من قارورة بجانب البراد ووضعتهما بجانبهما، كانا مسرورين فمنح الشاي إشارة بالترحيب رغم أنني كنت أشعر بأن في الموضوع بعضا من التوجس.

توجهت إلى الشاب الممتلئ حتى أقلل من أهمية الشاب النحيف الذي يحاول أن يظهر لي أنه هو صاحب القرار وقلت له: حسنا، ما هو الموضوع؟ فاندهش واحمرت وجنتاه، ودون أن يفكر وجه نظراته إلى النحيف الذي بدأ يشعر بنوع من الاستفزاز بسؤالي، خاصة بعدما بدا كما لو أنني ألغيت حضوره أو على الأقل تجاهلته، وبعد لحظات جمع قواه رغبة منه في رد الصاع صاعين، فحدثني بنوع من الجرأة والرغبة في رد الاستفزاز قائلا: «أولا، نحن لنا موقف من الانتخابات ولا نصوت، حضرنا اليوم فقط، لأننا نريد أن نفهم ما قيمة هذه الانتخابات مادام كل شيء يقرر في الرباط من طرف أشخاص آخرين؟ ونؤكد لك أنكم في البرلمان تتكلمون طول النهار دون نتائج ملموسة ولا أثر لكم في أعماق المغرب أو علينا على الأقل!”.

وقبل أن نواصل الحديث سألتهما: ما مستواكما الدراسي؟

اكتشفت أنهما مقبلان على الجامعة.

بعدها أجبت بهدوء: إن الدستور ينص على دور كل جهة وكل مؤسسة في العملية السياسية، فالبرلمان يشرع ويراقب ويقيّم، وهو وسيلة الوصل بين هذه المناطق البعيدة وبين القرار السياسي بالرباط.

رد عليّ النحيف قائلا: «تردد كلام الجرائد، فالذين يحكمون وحدهم من يملكون القرار، وأنتم لا تقومون سوى بالتمثيل ورعاية مصالحكم الخاصة!”.

في هذه اللحظة كان صديقه القوي البنية بجانبه يطلق العنان لابتسامة ممزوجة بقليل من الزهو.

أجبته مبتسما: “الأمر ليس بهذه البساطة فالميزانية التي بواسطتها تمول المشاريع يناقشها ويصوت عليها البرلمان قبل تنفيذها، والقوانين التي تنظم مسار الحياة، كذلك، تصدر عن البرلمان وتوضع بشكل يشارك فيه جميع المنتخبين، ورغم أنك لا تصوت إلا أن من يصل إلى البرلمان يمثلك أنت كذلك!”.

رد عليّ بنوع من الامتعاض وحتى دون أن ينتظر إنهاء جوابي: «أغلب نواب الأمة أميون أو أصحاب أموال لا يحضرون إلى البرلمان، وإذا حضروا يكون من أجل تحقيق مصالحهم، فكيف سيقومون بمهامهم هاته التي تحدثت عنها، وفي كثير من الأحيان نلاحظ عبر التلفزيون أن قاعة البرلمان فارغة؟ فهم لا يشتغلون، ومع ذلك يتوصلون بأجورهم!”.

أدركت أن الشاب يناقش من موقع رد الفعل وأن الحديث معه سيظل سطحيا، غير أني كنت راغبا في استفزاز مخيلته دون المساس بشعور الزهو بالانتصار لديه، فكيف ما كان الحال، فهو يواجه نائبا برلمانيا.

أجبته وأنا مدرك بأنني بدأت أثقل على صدره: إن نشاط البرلمان الأساسي يكمن في اللجان الدائمة وغيرها من الوسائل الأخرى، وأن الغياب والحضور ليس معيارا لتلك الدرجة التي تعتقدها، لكون الفرق والمجموعات البرلمانية تجتمع وتقرر بشكل جماعي وتقوم بإعمال قرارها وتصريفه من خلال قنوات برلمانية متعددة، فيبدو أنك غير ملم بالهندسة التنظيمية للبرلمان وأنت مقبل على الجامعة.

مرة أخرى، أطلق صديقه العنان لضحكته الممزوجة بالسخرية، فهو لم يغلق فمه مطلقا رغم أنه لا يتكلم، أما النحيف فلايزال يجادلني وشرارة الغضب تتطاير من عينيه، وقد صار يعقب عليّ دون أن يرفع عينيه، مشيرا نحوي بسبابته متهما إياي: «أنت تحاول تغليطي وتبرر عجز البرلمان!”.

نظرت إليه مبتسما قائلا: «أنت تتهمني ولا تناقشني، ثم ما مصلحتي في أن أغالطك؟

رفع بصره وهو يأخذ نفسا عميقا، ثم نظر إلى صديقه، ربما، ليطمئنه بأن المعركة مازالت دائرة وشرع في كيل اتهامات متعددة قائلا: «أنتم في البرلمان لا تقومون إلا بالتصويت بنعم، على جميع مشاريع الحكومة، وفي المقابل تغضون الطرف عن أناس ينهبون أموال الشعب دون محاكمتهم لتضيع الكثير من أموال الدولة، وقريتنا مثال حي أمامك، إذ بعد ستين سنة من الاستقلال لاتزال قريتي بدون طريق ولا ماء ولا كهرباء. فما قيمة هذا البرلمان إذن؟ وماذا فعل الذين سبقوك لتفعله أنت الآن؟ فأنتم تضيعون الوقت وتربحون أجورا سمينة في البرلمان بدون عمل!!”.

بدا لي أن الشاب بات تارة منزعجا، وتارة أخرى مرتبكا، فشعرت بنوع من القلق وبأن خيط الحوار انقطع بيننا، فقد أمسى كل واحد منا يتكلم دون أن يسمع الآخر. يبدو أننا نحن الاثنين قد فقدنا البوصلة، إذ ظلت ملاحظاته اتهامية مطلقة، وأجوبتي تقنية ثقيلة على قلبه، حاولت أن أرضيه فقلت له إن الأمر يحتاج إلى تطور وتراكمات ومساهمة الجميع بما فيه هو، عبر التصويت والترشح.

رد عليّ بعنف دون أن يرتب أفكاره، فالعصبية أفقدته آداب الحوار: “وهؤلاء العاطلون مسؤولية من؟ وأين كل تلك المشاريع والوعود”؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.