أحوال الإمام مالك..أهل العلم والفضل - الحلقة 4

09 مايو 2019 - 15:00

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

تستهدف هذه الحلقات الرمضانية الخفيفة الظل، التي لكل مقالة منها فكرة تعالجها، إلى تكوين رؤية عن مكانة الإمام مالك رحمه في صف الأئمة الكبار من أهل العلم والفكر والثقافة في باب العلوم الشرعية. وهي المقالات التي دعاني للكتابة فيها جملة أمور منها:

1-التعريف بإمام وصاحب مذهب الديار المغربية والمعتمد رسميا في المجالس العلمية ووزارة الأوقاف، من حيث بيان مكانته عند القراء، ومن لا علم له به إلا نتفا يسيرة في أحسن الأحوال، أو منعدمة في أسوئها، لا يعرفون عنه سوى الاسم فقط.

2-الوقوف عند بعض أهم معالم إمامة هذا الإمام في الفقه العملي الذي يحتكم المغاربة إليه في مدونة الأسرة؛ وفي المعاملات المالية التي تحتاج إلى موافقة المجلس العلمي الأعلى عليها، وفي غيرها من المواد المستمدة من مذهبه. وفق ما سيتيسر لي أن أبرزه وأجليه.

3-التمييز بين الجد والهزل في التعامل مع مذهب الإمام مالك وتراثه، حيث يتم توظيفه توظيفا سيئا فيما يخدم المصالح الضيقة لبعض القوم، من العلماء والسياسيين والباحثين وغيرهم، ثم يضربون الصفح عنه معرضين إذا ألجمهم، وفضح سوء تصرفاتهم.

4-الكتابة عن الإمام مالك بطريقة الجمع بين التعريف به أولا، وتنزيل أفكاره وتراثه على أرض الواقع الذي نحياه اليوم، من غير تقديس وغلو، أو تفريط وغرور. ولقد أردت الكتابة فيه بطريقة سهلة ميسورة على المبتدئين، غير مخلة بالجودة عند العارفين، فلا تكون ثقيلة من حيث التزلف والتملق. بل تذكر ما يجب ذكره بوسطية واعتدال، وبما يخدم حاجة الناس إليه اليوم في مجال العلم والتعلم، والأدب والأخلاق، والسياسة والفكر… إلخ. وألا يكون مصطلح: المذهب المالكي من الثوابت، الذي يتقاذفونه بينهم كلام عار عن مضمونه وحقيقته. الكراء منذ زمان والتصاق الناس بالأرض ومتعها غريزة فيهم، وحب تملكهم مركوز في أعماقهم لا يفارقهم، قال تعالى: “وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ” [العاديات:8]، “وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمَّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا” [الفجر:19ـ2]. إن تملك الضياع والأرض والبيوتات قد شمل ريحها عامة الناس وخاصتهم. ومن هؤلاء الخاصة: السياسيون، والشعراء، والإعلاميون، والفنانون، والحكام… بل حتى العلماء أهل الذكر وتبصرة الناس بحقيقة الدنيا، الرابطون إياهم بالآخرة، لم يسلموا من رذاذها.

أما الإمام مالك، فهو إمام كبير كانت تأتيه الأعطيات العظيمة من حكام زمانه، ولكل معط من أعطيته من نوى من الإمام. قال ابن أبي زنبر: “أجازه هارون بثلاثة آلاف. فقال له رجل من الزهاد: يا أبا عبد لله، ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين؟ كأنه يستكثرها. فقال مالك: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل، فأنصف أهل المروءة أصابه شبيه لذلك لم أر به بأساً، وإنما أكره الكثير الذي لا شبيه أن يستحقه صاحبه” (ترتيب المدارك). فكان يرى أن أهل العلم والفضل يستحقون ما أخذوا نظير ما يقومون به من الخدمة العامة، وأن من لا يستحق لعدم وفائه بأي شيء تجاه المجتمع فلا يستحق العطاء. بل إنه زاد في شروط القبول أن يكون العالم قادرا على البقاء عند مبادئه لا تتغير آراؤه بالدنانير. وفي هذا سأله غير واحد عن جائزة السلطان، فقال: لا تأخذها. فقال: أنت تقبلها. فقال: أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك. بل رد على آخر: أجئت تبكتني بذنوبي.. (ترتيب المدارك).

إن الأعطية الواحدة والتي استكثرها عليه بعض الزهاد، كانت كافية لشراء مسكن يليق به وبأمثاله. ولكنه كان يأخذ ما لا يرى في الأخذ بأسا عليه من المعطي. وزيادة في التوثق على اختياره هذا، فإنه كان ينفقها في وجوه الخير، من إعانة الطلاب على دراستهم، أو فيمن أصابه العوز من إخوانه العلماء، حتى يبقى التعليم والتدريس في الناس لا ينقطع.

وكان الناس يلحظون التغير في الأحوال والأقوال عند بعض من يقبض باليمين والشمال، لا يرفضون ما يأتيهم، ويرون مالكا وإن أخذ فإن حياته لم يصبها تغير في التنعم، ولا الحق يحيد عنه. قال الحارث بن مسكين: رحم لله مالكاً، ما كان أصونه للعلم وأصبره على الفقر ولزوم المدينة. أمر له بجوائز ثلاثة آلاف دينار، فما استبدل منزلاً غير المنزل الذي كان فيه، ولا استفاد منه غلة ولا صنعة ولا تجارة.. (ترتيب المدارك). وهذه السيرة منه رحمه لله تعالى، تُعَرِّفك بالفرق بين قبض مالك وقبض غيره. وأنه لا حق للبعض في الاستدلال بمالك في الموضوع، حتى ينفقها فيما أنفقها الإمام.

وأما الوقوف عند نصف الطريق من حيث قبض الأعطيات، ثم صرفها في خويصة النفس استمتاعا بها، ودخولا في عالم أهل الدنيا، وتغيير الحق بالباطل، فتلك حكاية أخرى. ويشهد لانحرافهم أن مالكا رغم أنه كان يقبض العطايا الوفيرة، وبالشروط المذكورة عنده، فإنه بقي مكتريا منزله، ولو كان لها أثر عليه، ما عاش في بيوت الأكرية. قال أحمد بن صالح: ولم يكن له منزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات رحمة لله عليه.. (الديباج المذهب: ابن فرحون). وسأله المهدي: يا أبا عبد لله، ألك دار؟ فقال: لا ولله يا أمير المؤمنين، وحدثني ربيعة أن نسب المرء داره.. (الانتقاء، وترتيب المدارك). فإن سألت هؤلاء القابضين: ألك عدة دور، لقالوا: نعم. وإن سألتني عن انكماش العلماء في باب الرأي حيث لا تسمع لهم قولا رغم حرص أهل الإعلام على أخذ رأيهم، فالجواب ما سبق عن حال مالك رحمه لله تعالى.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.