جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.
كنت مدركا أن هذا الشاب يريد أن ينجز كل شيء في لحظات، وما حضور صديقه القوي البنية إلا ليكون شاهدا على معركة من المفروض أن يكون المنتصر فيها مسبقا، في حين كنت لا أملك شيئا لأعطيه إياه، أقنعت نفسي أن أمنحه «الشعور بالانتصار» لعله ينقذ نفسه من ورطة الغضب التي أصابته، ولأن الانتصار سيكون وهميا، فإنني تصرفت بطريقة لأقنعه بها حتى لا يخرج من هذا اللقاء خاوي الوفاض.
أما صديقه فظل متسمرا قربه بابتسامته الساخرة، وفجأة تحدث كالحكيم إذ يبدو أنه ضجر من الصمت أو أدرك أن صاحبه في ورطة أو لعله يريد أن يمنحه فسحة ليعيد ترتيب أفكاره قبل الحديث معي.
فقال بصوت به حشرجة تعبر عن تردده أو شعوره بالارتباك: «إن هذا النقاش سيؤدي بنا إلى محاكمة تاريخ المغرب كله ».
عقبت عليه: طبيعي جدا ما نعيشه اليوم من مشاكل، لأن المغرب في بداية مساره الديمقراطي.
هنا انفرجت أسارير النحيف، فربما أنقذه صديقه بالانضمام إليه قبل أن يقطع حديثنا صوت آذان المغرب، معلنا انصراف النهار وبداية ولوج الليل.
وقفت موحيا إليهما بأن اللقاء قد انتهى، وقفا بدورهما ونظرا إلي باستكبار قبل توديعي، ربما، كانا يشعران بنشوة الانتصار. ألم يكونا معا قاضيين وأنا المتهم؟
قبل توديعي أشار النحيف إليّ بسبابته قائلا: « أنتم هكذا، دائما، تهربون من النقاش لأنكم تستغلون الانتخابات من أجل ضمان فوزكم وتحقيق مصالحكم ».
شعرت مرة أخرى برغبة منحه ذلك الشعور بالانتصار، سألته دفاعا عن نفسي وما هي مصالحي أنا شخصيا؟
رد علي هازئا بالقول: أنت تسعى إلى منصب وزاري على حساب فقر منطقتنا ومشاكلها!
كانت التهمة قاسية، خاصة وأنها صادرة عن شاب يبحث عن واقع مخالف لما يعيشه، وهو حق مشروع، أدركت أن أي جواب لن يقنعه، وضعت يدي على كتفه وأنا أسحبه خارج المقر متسائلا: هل أحتاج إلى الانتخابات لأكون وزيرا مثلا؟
عدوانيته تزيد حدة، لا تبررها سوى رغبته في الانتصار على مرشح ونائب برلماني سابق أمام صديقه الذي سينقل لا محالة تفاصيل المعركة إلى أصدقائه من أهل القرية، ودون أن يفكر قال لي: « على العموم، كل الوزراء يتحولون إلى لصوص عندما يكونون أمام المال العام! ».
استفزني الجواب وأدهشني حجم الاتهامات وطبيعتها الموجهة إلى الجميع، غير أني تمسكت بالصبر فأحجمت عن أي رد فعل، ولأني مدرك أنها نقمة عارمة من الشباب على جيل يعتقد أنه حرمه من حق الشغل ومن رفاهية الحياة. ورغم أنني موقن أنه لا يمكن أن أقنع الشاب بأنه لا أجوبة لي عن تراكمات الماضي، قلت له: «عليك أن تمارس السياسة لتفهم الأشياء وتساعد أهل قريتك وتصبح وزيرا ولا تغتصب أموال الشعب وتحقق آمال عشيرتك! ».
كنت أعتقد أن الاقتراح مغر غير أنه فاجأني بالحكم عليه من خلال جوابه دون تفكير وهو استحالة التحقق، ليرد علي بقوة: لا يصل إلى السلطة إلا أبناء العائلات والأعيان والذين خدموا اللصوص.
أجبته ساخرا: «يبدو أنك يائس بدرجة كبيرة ».
فأجابني بحدة وثقة في النفس: «إنني فقط، لا أثق في وعودكم كسياسيين ».
سألته معقبا: « إذا كنت لا تثق فينا، فلماذا تحاورني ».
تحايل على الجواب ليزيدني اتهاما آخر يخلطه بلغة السؤال هذه المرة: وهل أنت ضد الحوار؟
نظرت إليه مبتسما وحاولت أن أوضح له أنني مستوعب لطريقته وحيلته في الحديث، فقلت له: يا «سيدي» منذ أن بدأت هذا الحوار وأنت توجه لي الاتهامات دون أن تناقشني موضوعيا وهذا لا يليق ».
أجابني بنوع من الاسترخاء وشعوره بنهاية المعركة وانتصاره فيها قائلا: «كل ما قلته حقيقتكم ».
آنذاك، أدركت أن هذا النقاش مضيعة للوقت وقد أظلم الليل، وهذا الشاب حوّل الحوار إلى «محاكمة»، فقد جعل من نفسه فيها خصما وحكما، ومن العبث الاستمرار في هذا الحوار الرديء، نظرت إليه بصرامة لأؤكد له أن اللقاء قد انتهى، فقلت له: « حسنا انتهينا من النقاش ».
سلم عليّ بنوع من الازدراء، أما صديقه فقد سلم عليّ بحرارة ممزوجة بابتسامة تنم على نشوة الانتصار ورغبته في الانسحاب بسرعة ليلتحق بأصدقائه ليحكي لهم تفاصيل هذا الصراع الذي كان شاهدا عليه، فيعلن انتصار صديقه على ممثل الأمة في معركة تبدو هلامية بين جيل وآخر.
خرج الاثنان من مقر الحزب مسرعين وهما يتهامسان، أما أنا فقد حققت رغبتي في منحهما « نشوة الانتصار ».
جلست وحيدا أفكر في هذا الحوار، وخرجت بحقيقة مزعجة هي أن هناك فجوة عميقة بين جيلين، جيل يائس وجيل في موقع القرار، جيل غاضب وجيل يحاول أن يدبر الأزمات، جيل يحاسب وجيل قدره أن يكون موضوع الحساب، جيل بدا يائسا وفاقدا للأمل وجيل يحاول صنع هذا الأمل، إلا أن التواصل منعدم وجسور الحوار هدمتها فيضانات أزمة المال والسياسة، وقتلتها طبيعة الخطابات السياسية التي لا تتضمن سوى تبادل الاتهامات، وبلاهة السياسيين والكثير من سلوكهم المهدم للأخلاق.
انتابني شعور عميق بأن الخطاب السياسي السائد يدمر مشروعنا الوطني ويصنع جيلا سيأتي ناقما على كل شيء، فاقدا للثقة في كل شيء، ينظر إلى الآخرين على أنهم مجرد لصوص كذابين لا يهتمون إلا بمصالحهم، وأنهم انتهازيون وأنانيون!
إن مثل هذا الخطاب بلا شك يدمر، كذلك، رؤية الجيل الآخر تجاه المؤسسات، لأن السياسيين بخطابهم وسلوكهم يهدمون صورة المؤسسات، وهكذا يسقط الجيل الآخر في حالة من رد الفعل لا يفرق بسببها بين دور المؤسسات وتصرفات الأشخاص، ومن الطبيعي أن يتحول رد الفعل هذا إلى القيام بالفعل ذاته.
أدركت أننا حينما نتحدث في قبة البرلمان، فإننا نبني بخطاباتنا ثقافة جيل بكامله، ونصنع تصورا محددا وفق سلوكنا وتصرفاتنا. لقد فشلنا في إشراك هذا الجيل، وفي اطلاعه على طبيعة الملفات، فقط مكناه من أدوات السب والشتم والإهانة وتوزيع الاتهامات وأوصاف «الحيوانات» و«العفاريت»، نحن جيل كل ما فعلناه، هو أننا خلقنا شعورا بالكراهية والرفض لدى الجيل الذي قد يأتي بعدنا ويظل ذلك عنوان فشلنا.