الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء
تستهدف هذه الحلقات الرمضانية الخفيفة الظل، التي لكل مقالة منها فكرة تعالجها، إلى تكوين رؤية عن مكانة الإمام مالك رحمه في صف الأئمة الكبار من أهل العلم والفكر والثقافة في باب العلوم الشرعية.
تقبيل الأيدي
ألف الناس الخنوع لحيازة نوال من يخضعون عندهم. وتفننوا في إظهار ألوان الطاعة والولاء وإظهارها لمن يتقصدون منهم لعاعة من حطام الدنيا. وقد يتصرف أولياء النعمة مع المنعمين عليهم على أساس هذا الخنوع والخضوع. ومن ذلك ظاهرة تقبيل الأيدي والانحناء لها من أجل ما سلف من النوال وغيره.
وقد ألف العلماء في التقبيل والانحناء، وأن الأصل فيه عدم الجواز لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار»، ومن حديث أبي هريرة طويلا، وفيه: «وَوَثَبَ الوَزَّان إِلَى يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يُقَبِّلَهَا، فَجَذَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنْهُ، وَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا تَفْعَلُهُ الأعَاجِمُ بِمُلُوكِهَا، وَلَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ» (معجم ابن الأعرابي).
وإنما جاز التقبيل بما جوزته بعض الآثار، بشروط، منها:
* ألا يكون مفروضا على الناس يراد تمريغ كرامتهم بهذه الطريقة؛
* أنه لا حرج إذا كان مع الأبوين أو العالم: أما الأبوان فمفهوم طبيعة الناس في المحبة الفطرية. وأما العالم فإنه بمثابة الوالدين أو فوقهما، إذ لا يعدل أحد العالم في الحرص على الناس، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن السفاسف والمحظور، وإرادة الخير بهم. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ..» (صحيح ابن خزيمة).
* أنه لا حرج فيه مع الصالحين وباعتدال، حتى يرفع الله قدر الصلاح بهم في الناس. قال ابن بطال: «وأما إذا قبل إنسان يد إنسان، أو وجهه، أو شيئا من بدنه، مالم يكن عورة، على وجه القربة إلى الله: لدينه أو لعلمه أو لشرفه، فإن ذلك جائز» (شرح صحيح البخاري: 9/ص46).
وممن ألف في التقبيل الإمام ابن حجر والسيوطي وغيرهما، ألف الأول… وألف الثاني…
وأما مالك فلم يكن حريصا على لقاء هؤلاء أصلا، ولا كارها لذلك. ولكن إذا دعي أجاب، وقام بالأدب الذي يليق مع الأكابر، وقام إلى جانب ذلك بما يقوم به صاحب الرسالة من عدم المبالغة والتزيد. وقد سئل عيسى بن عمر المدني: «أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال لا. إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم» (ترتيب المدارك: 2/ص95).
فإذا جاءهم لم ينزل نفسه منزلة المقبلين الأيدي خوفا أو طمعا، بل يتصرف تصرف الكريم مع الأكرمين ومع نفسه، وقد حدث ابن وهب قال: «سَمِعْت مَالِكًا يقول: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يُقَبِّلُ يَدَهُ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلاثَ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ الْعَافِيَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ أُقَبِّلْ لَهُ يدا» (الانتقاء: ابن عبد البر: ص42)..
ولم يكن رحمه الله تعالى يرى ما ورد في التقبيل سليما صحيحا، قال ابن بطال: «وإنما اختلفوا في تقبيل اليد، فأنكره مالك، وأنكر ما روي فيه» (شرح صحيح البخاري:).
وعلق التادلي على قول مالك بالقول: «يريد وكذلك سائر الأعضاء، لما يلحق المُقَبَّل من الكبر» (شرح ابن ناجي: 2/ص472). أي لا يقبل يدا ولا رجلا ولا أنفا ولا أي عضو من أعضاء بشر مثله، إذ مثل هذا الصنيع إعانة له على الكبر. وهذا مشاهد في الناس وتفننهم في استصغار أنفسهم واحتقارها بتقبيل ما تأنف النفوس الكريمة منه.
قال ابن بطال: «إنما كره تقبيل يد الظلمة الجبابرة. وأما يد الأب، والرجل الصالح، ومن ترجى بكرته، فجائز. وظاهر المذهب خلافه» (شرح ابن ناجي: 2/ص472).
وبه يتبين أن مذهب مالك رفض تمريغ الكرامة الإنسانية بمثل هذه العمل، وأن أصل سد الذريعة يشهد له، وأن كسر فرعنة الجبابرة مما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار.