«رائحة الأركان».. السياسة أكثر قذارة في ظلمها -الحلقة5

11 مايو 2019 - 02:01

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

حينما تتنقل بين الجبال حاملا مجموعة من مطبوعات وأوراق الانتخابات لتقنع الناس بأن يصوتوا عليك، وسط دائرة جبلية جميلة غير أنها وعرة بحجم ذلك الحاجز النفسي الذي يصاحبك وأنت تلعن الانتخابات، فاعلم أن وعورة الطريق وصعوبة مسالكها ليست هي المشكلة إلا عندما تتحول إلى قضية علاقة مواطن مع الإدارة، لأن الطبيعة التي احتضنت هؤلاء الناس بين الجبال والأنهار والوديان بعيدا كل البعد عن مخارج المدينة، كأنها بُنيت لتكون حاجزا حضاريا وأخلاقيا بيننا كسياسيين وبين هؤلاء المواطنين.

وأنت تتواصل مع هؤلاء في حملتك الانتخابية تحاصرك أسئلة كثيرة ومقلقة، إذ كيف ستقنع من حاصرتهم الطبيعة وهمشتهم الدولة وعزلتهم السياسة عن الحق في الحياة بكرامة، كيف ستقنعهم بأن يساهموا في بناء هذا الوطن؟ فالانتخابات هنا في تارودانت الشمالية ليست ككل الانتخابات في باقي ربوع الوطن، وخاصة في الحواضر، إنها بالدرجة الأولى صراع مع الطبيعة.

كانت كلماتهم هادئة ونظراتهم تنبع منها الكثير من الحاجة الممزوجة بالكبرياء وأنفة من يعيش خلف الجبل. أو قل من يعانق الجبل يوميا ويتحداه، فالكلمات تخرج من فمي وأنا أشعر بالألم وبعض الخجل، وذلك من قسوة العيش وظلم الواقع الذي يتحمله هؤلاء الناس من أهلي وعشيرتي، فبأي لغة سأقنعهم؟

كنت أحمل البرنامج السياسي الانتخابي لحزبي الذي لا يهمهم فيه إلا بعض الكلمات تتلخص في واقع «العالم القروي»، هذه الجملة التي تختزل نوعا من «النفاق السياسي» وبعضا من الجهل بالأشياء.

كانت السيارة تتدحرج في منعرجات جد خطيرة على شفا هاوية، نظرات عينك لا تصل إلى مداها. وفي لحظة غريبة أرسم نوعا من الابتسامة الممزوجة بالسخرية وأنا أتذكر أولئك الشباب الذين حملتهم الصدف والولاءات والقرابات العائلية إلى اللائحة الوطنية للشباب بالبرلمان، وهم يتحدثون عن المغرب العميق. مغرب لم يحسوا به ولا يعرفونه، بل لا يدركون حتى صعوبة الوصول إليه، يجلسون في المقاهي الفخمة بالعاصمة، يدخنون السجائر الأمريكية ويتحدثون بلغة مطاطية عن العالم القروي، وعن إشكالية التعليم فيه، وعن صعوبة التمدرس وغياب التطبيب وفك العزلة، بينما هم طوال حياتهم لم يركبوا السيارة إلا على الطرق المعبدة أو الطرق السيار، أما سيارتنا فكانت تهتز بين الحجارة والحفر وتنزلق في مسالك جد ضيقة ووعرة كأنها تريد أن تلفظ «نفاقنا السياسي» في لحظة حضورنا بزمن الانتخابات.

صادفنا على الطريق مجموعة من الفتيات جميلات رشيقات رغم عناء الحياة، منهن من تحمل القش وأخريات يحملن قلل الماء، نزلت ووزعت عليهن بعض منشورات الدعاية الانتخابية التي تحمل صورتي، حدثتهن بالأمازيغية، هل تعرفتن على من في الصورة؟

أجبن: إنك أنت، ومنهن من نادتني باسمي، ومنهن من أطلقت ضحكات ممزوجة بالكثير من الحياء، يخفضن رموش أعينهن فتخفي بريقا لا تضاهيه إلا أشعة القمر.

قالت إحداهن: إنا نراك في التلفاز.

داعبتهن: هل أنا جميل في الصورة؟

قالت إحداهن: نعم؟ بل أجمل المرشحين.

ابتسمت وقلت: أنتن الأجمل، الله يحفظكن.

قاطعت أخرى قائلة: سنصوت عليك، فأنت ابن بلدنا ومن ناحيتنا.

سألتها مبتسما: وأنت ماذا تطلبين مني؟

نظرت إليّ باستحياء وأطلقت العنان لضحكة خافتة وخجولة مختفية خلف صديقتها لتقول: نريد «حماما بلديا» بمواصفات حمامات المدينة.

لن أخفيكم سرا، شعرت بمرارة شديدة واستفزاز كبير، ففتيات في عمر الزهور رشيقات، ذات العيون العسلية خجولات تحسدهن الطهارة على نقائهن وصفائهن الطبيعي، لا يطلبن إلا أن تمنح لهن وسائل النظافة، يردن أن ينظفن أجسامهن عندما يكون البرد قارسا في مكان ساخن، لعنة الله على هذا الزمن الرديء، هذه الكائنات الجميلات يعشن في النظافة الحقيقية ويأبين أن تجتاح الوساخة أجسادهن.

ودعتني الفتيات وأنا أعدهن بإيجاد حل لمشروعهن الصغير أو قل لحلمهن البسيط «حمام بلدي».

قالت إحداهن مودعة: هل سنراك في التلفاز مرة أخرى؟

ابتسمت معقبا: حينما سنبني الحمام.

بين صعوبة الجبل وبعد التمدن ورقي الحضارة ترددات هوائية اسمها التلفاز، تنقل الصورة وتقفز على صعوبة الجبل لتصل إلى منتخبيك الذين صوتوا عليك وهم يحملون الكثير من المشاريع البسيطة في أذهانهم لتغيير أوضاعهم، بينما نحن باعتبارنا نوابا للأمة نحمل أوراقا ونتحدث في البرلمان بلغة منتشية، تارة عن العلاقات الدولية، وتارة عن العمق الاستراتيجي، وأخرى عن إشكالية المديونية الخارجية وطبيعة البورصة وكلمات طنانة حفظناها في الجامعة وفي اجتماعات الأحزاب والمؤتمرات واللقاءات الدولية، وهن يردن الحياة ببساطتها، بمتطلباتها اليومية لضمان الحد الأدنى من كرامة الإنسان، وكأن جسورا هدمت ومسافات مددت بين نفاق السياسة وبين حقيقة الواقع، فكثير من النواب يتحدثون لغة دون أن يدركوا دلالاتها ومعناها، وحتى في كثير من الأحيان دون فهمها، فقط يوهمون أنفسهم بأنهم مثقفون كبار، وبأنهم سياسيون من حجم غير مألوف، بينما جهلهم بأبسط أوجه الحياة القائمة هناك وراء الجبال تؤكد حجم محدودية البعض وسوء نيات البعض الآخر، فالكراسي الوتيرة التي قد تنسينا أن في الطبيعة فتيات زهور ترتقين في الحياة بشكل يوازي أجمل ما في الطبيعة.

فتيات جميلات وشباب في أفياء وظلال أشجار اللوز والأركان، لا يريدون سوى مدرسة وحمام متواضع، وملعب صغير، ومسلك معبد، ومستوصف بسيط، كما لا ينشدون إلا قليلا من الاهتمام، وصنع الحياة بالممكن والقليل دون طمع في الآخر، يريدون ما يتحدون به قسوة الطبيعة عندما تغير جلدها بتناوب الفصول، في لحظات التي يبدو فيها أن البرلمان أنشئ لاستهلاك الكلام، فحسب، وأما ما وراء الجبل، فقد خلق ليعيش العذاب، وبين الاثنين قد يفقد الإنسان احترامه لنفسه ويتساءل عن طبيعة حقوقه، أو عن الوضع الحقيقي للأمة التي يمثلها أو ينوب عنها.

وأوضح أن من يعيشون في غرف مخملية بالمدن ليس كمن يصارع الحجارة وصعوبة التضاريس بأنامل من الياسمين، وأن يكون الإنسان ممثلا لأمة الأنانية بالمدن، ليس كممثل لمواطنين بسطاء رمزا للتحمل وللكبرياء وللقناعة قابعين وراء الجبال وفي القرى، وبين الاثنين خط فاصل ورفيع بين نوعين من الأخلاق، وبون شاسع بين قيم الطبيعة وقيم انتهازية على مقاهي أرصفة المدن، إنه الفرق الذي يدمي القلب ويدمع العين، ويؤنب الضمير. أليست السياسة هي القدرة على التحمل حتى ولو كان ذلك من خلال معايشة آلام الآخرين، وأنت في موقعك على الشرفة التي تعلو أصوات الألم؟ وفي جميع الأحوال أقول لأولئك الشبان، وبالخصوص لأولئك الشابات وأنا خجول أكثر منهن وخجلي بحجم الجبل؟ معذرة، فليست الطبيعة هي الأكثر ظلما، بل السياسة الأكثر قذارة في ظلمها، ولكن ما بوسعي أن أفعل في زمن تنهار فيه القيم تحت أرجل كلمات السياسة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.