أحوال الإمام مالك.. الأدب قبل العلم -الحلقة6

13/05/2019 - 15:01
أحوال الإمام مالك.. الأدب قبل العلم -الحلقة6

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

من عجائب الزمان وأهله، ألا تجد العلم عند رهط من البشر، وإنما تجد من توفق للكتابة والكلام، فارغا من إتقان العلم وتحصيله، مكينا في الهذر، ألحن في القول إذا تناوبت القالة على الكلام.

ثم ترى هؤلاء الرهط خالين من الأدب إن هم كتبوا أو تحدثوا، يتعالون على الغير فيما اختلفت أنظار الناس فيه، فيظهر سوء أدبِهم معدنَهم وعلمَهم.

أما خفة علمهم، فقد حدث عطاء قائلا: « لن يشم أنفه رائحة العلم من لم يعرف الخلاف ». فلذلك لا يتواضع للناس وأن لهم من الرأي الحصيف ما قد لا يوجد عند أصحابنا هؤلاء.

ولأنه لا يعرف الخلاف في الناس سنة، وأنها جارية فيهم قدرا، لقوله تعالى: « ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم » [هود:118].

تراه معتدا بالرأي يراه، يتطاول على أعراض الآخرين وعلمهم، فلا يتكلم إلا بقوارص الكلم، ويبحث عن الدخول في المعارك.

والعلم إذا لم يزين بالأدب أصبح كارثة على صاحبه وعلى الناس من حوله، وكان الإمام مالك رحمه الله تعالى، قد فهم نصيحة أمه التي وجهته وجهة الأدب أولا، ثم العلم ثانيا. فأفهمته أن من مقاصد العلم وغاياته الأساسية أن ترى ثمرة أدبا وخلقا في صاحبه. فحدثنا عن أمه العاقلة الصادقة معه: كانت أمي تعممني وتقول لي: « اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه » (ترتيب المدارك).

ولقد اكتوت الأمم بنار من أخرجتهم مؤسساتها التعليمية، ومن سهرت على تعليمهم، أنها وفقت في كسبهم المعارف، ولم توفق في إكسابهم الأدب. فنهضت تستنكر تسمية الوزارة المهتمة بالتعليم، أن تدعى بمثل هذه الأسماء: وزارة المعارف، أو وزارة التعليم… أو غيرهما من التسميات التي تدور حول المعرفة. وقرروا أن تسمى بوزارة التربية. إذ لا معنى لعلم من غير تربية وقيم ينعم صاحبها والمجتمع في رحابها وظلالها.

وكان مالك إذ تلقى هذه النصيحة، علم من نفسه أنه أصبح مؤتمنا على نشرها وإذاعتها فيمن حوله من طلبة العلم. فقد حدثنا تلميذه خالد بن نِزَارٍ الأيلي، عن مالك أنه كلما رأى حيدة من طالب علم عن سبيل الأدب ورفيع الأخلاق وسني القيم، نصحه في الالتزام بما فرط فيه. فقال خالد هذا: « سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ: يَا ابْنَ أَخِي، تَعَلَّمَ الأدَبُ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ » (حلية الأولياء).

وقال عنه تلميذه عبد الله ابن وهب: الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه (ترتيب المدارك).

ومعنى الأدب: أن يظهر على المتعلم ثمرات العلم الجميلة، من أخلاق فاضلة، ورحمة بالناس، وبعدا عن الكبر والغرور… وغيرها من القيم التي أصبحت الأمم تنادي بأخلاقيات المهن وضرورتها في الاجتماع البشري.

ولا معنى لمحام مرتش، أو طبيب لا يرحم مرضاه، ويعتبرهم مصدر سعادته وإن على حساب صحتهم وجيوبهم… وهكذا في كل باب تعلمه الإنسان، عليه أن يتخلق بأخلاق ما تعلمه.

كما أن من معاني الأدب أن يتعلمه الإنسان على يد من هم فيه معلمون له، والبعد عن كل سيء في خلقه، فإن الأخلاق تعدي. ولحرصه على القيم والأدب لنفسه، فقد منعها من مرافقة السيئين من الناس، أو المتهورين الذين لا يبالون بأي وجه يكونون عليه. وقد روى في ذلك الإمام أحمد بن حنبل: « قال مالك ما جالست سفيهاً قط ».

ثم علق القاضي عياض على مقالة أحمد هذه، فقال: « وهذا أمر لم يسلم منه غيره ».

أي أن قدرا من مرافقة هؤلاء في الدراسة والتعلم عسير تجنبهم، ولكن مالكا تجنبهم.

شارك المقال